الإخوان المسلمون في الجزائر.. تناسل الأحزاب ووحدة المقاصد

الإخوان المسلمون في الجزائر.. تناسل الأحزاب ووحدة المقاصد

الإخوان المسلمون في الجزائر.. تناسل الأحزاب ووحدة المقاصد


11/06/2024

خالد عمر بن ققة

كان اعتماد أحزاب دينية في الجزائر –مثل كل الأحزاب القائمة على مشاريع مناقضة للدولة– مُجازفة أثبتت مع السنوات خطأها، ذلك أنها تأسست على أمرين، الأول: إحياؤها لميراث هامشي في تاريخ المسلمين السياسي القديم، حيث تلوّن الصراع من أجل الحكم بمسوغات دينيّة واهية، حُجَّتها فيه داحضة وإن ادَّعت غير ذلك، والأمر الثاني: دَفْع المجتمع إلى صراع دموي ظاهره دعوة الجزائريين إلى الالتزام “بالدين”، وباطنه الوصول إلى الحكم، حتى لو أدَّى ذلك إلى القضاء على مقاصد الشريعة ذاتها.

وعلى صعيد آخر، فقد قلّص السماح بقيام تلك الأحزاب الدينية في البداية، حريّة تعاطي كل فرد جزائري مع القضايا المصيرية الكبرى، ثم أصبح حجر عثرة أمامها، ومن بين تلك القضايا نذكر: الاختيار العقائدي، والتأسيس الأيديولوجي، وتعميق الانتماء، وهي قضايا حسم فيها عقائديًّا ووطنيًّا، وعمليًّا، مما أدّى إلى إعادة النظر في الميراث المشترك بين الجزائريين، وخاصة، الدين، واللغة، والعِرْق، والجغرافيا.

 وهكذا تكيَّفت الأحزاب الدينية من خلال التحايل مع القوانين التي نظمت اعتماد الأحزاب، سواء تلك التي ظهرت قبل القانون، وأسهمت في الإرهاب، أو تلك التي تحولت من جمعيات ثقافية واجتماعية إلى تنظيمات حزبية وازداد نشاطها حين وضعت الحرب الأهلية أوزارها في الجزائر، ومنها بوجه خاص”حركة مجتمع السلم”(حزب الإخوان المسلمين في الجزائر)، والأحزاب التي تفرعت عنه بعد ذاك، الأمر الذي جعل من الأهمية بمكان البحث في هذا الموضوع، وهو ما سيتم طرحه تحت عنوان: “الإخوان المسلمون في الجزائر.. تناسل الأحزاب وتعدّد المقاصد”.

ستركز هذه الدراسة على قضية ذات طابع إشكالي، تتعلق أساسًا بدور “الإخوان المسلمين” السياسي لجهة الشراكة في الانتخابات وفي الحكم، وخروج عدد من الأحزاب الإسلامية من تحت عباءتهم، في“مسار تناسلي“، تعددت فيه مقاصد، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات الآتية:

كيف تمكَّن الإخوان المسلمون في الجزائر من المشاركة في الحكم؟ ولماذا أصبح الإخوان المسلمون(حمْس) شريكًا فاعلًا في الانتخابات والسلطة، وفي الحكم مع عدم تحمّلهم تبعات ومسؤولية القصور الحكومي؟ وما السيناريوهات المتوقعة لعلاقتهم بالسلطة في المستقبل المنظور؟

الأسئلة السابقة تقودنا من خلال إجاباتها إلى معرفة ثلاث قضايا رئيسة، أولها: خلفيّة اعتماد الأحزاب الدينية، خاصة الإخوان المسلمين، في الجزائر، وثانيها: خطاب الإخوان المسلمين، وتعدد أحزابهم من حيث التنوع بهدف إيجاد بدلائل سياسية على المستوى التنظيمي، وثالثها: تمكينهم وإفشالهم من طرف السلطة ثم التعايش معهم.

الأحزاب الدينيّة.. الملامح والتشكيل

بدأ تشكل الأحزاب الدينية في الجزائر من خلال دورها في تحويل التنظير، أو الاقتناعات الفكرية، إلى فعل وممارسة في لحظة غضب اجتماعي عام، وذلك أثناء أحداث الخامس من أكتوبر 1988، فقد رأت فيها مدخلًا للانتقال من العمل الدعوي إلى النشاط السياسي، أي الخروج من المساجد والجلسات الخاصة، والمحاضرات في الجامعات والمراكز الثقافية، إلى الفضاء الاجتماعي العام، بما في ذلك الشارع.

لقد طوّعت التنظيمات الدينية –التي كانت تعمل في السرية– الغضب الاجتماعي لمصلحتها، مع أن” الغضب مخلوق وحشي”[1]. وكانت تلك بداية بَوْحِها بما يختلجُ في صدور قادتها لعقود مّرت في انتظارها لمواجهة تكون مدعومة من غالبية الشعب أو على الأقل مبررة.. مواجهة تكْسر حواجز الخوف، وتُنْهي تحكّم الحزب الواحد –ولو نظريًّا– في مسار الدولة ومصيرها، وتطرحُ في وقت لاحق خطابًا مغايرًا يُحوِّل الخلافات فيما بينها –القائمة على الاجتهاد في طرح القضايا وفهمها –إلى اتفاقات.

كسْر حواجز الخوف، والمطالبة بالتغيير في سياق خطاب جديد، شكَّلاَ معًا حالة وجودية للجماعات الدينية مناسِبة لتحقيق اقتناعاتها واعتبار نفسها “جماعات خيريّة صاحبة الصحوة والضمير”، مهمتها محاربة فساد النظام والحكم، وخصوصًا في الجانب الأخلاقي، حتى لو كانت تكلفته بعد ذلك فتنة كبرى جاءت أشد من القتل، وما كان ذاك تحايلًا منها بقدر ما بَدَا جَهْرًا باقتناعات لم تستطع تحقيقها خلال 26 عامًا (منذ الاستقلال 5 يوليو 1962 إلى غاية وقوع أحداث أكتوبر 1988).

مُحاربة الفساد في عمومه –بعد عقد كامل من وجود الرئيس الشاذلي بن جديد في الحكم– لم تكن مهمة الجماعات الدينية وحدها، بل شاركتها فيها قوى سياسية أخرى، منها التيار الوطني –بما فيه عناصر قيادية من جبهة التحرير الوطني– وكذلك التيار اليساري، غير أن أسلوب المعارضة كان مختلفًا بينها، مثلما اختلف نظرة كل طرف إلى الفساد، وإلى الهدف النهائي من محاربته أيضًا.

وعلى خلاف التنظيمات والجماعات المعارضة –غير الشرعية في ذلك الوقت– أعطت الجماعات الدينية لمحاربة الفساد بعدًا أخلاقيًّا، مما أكسبها جماهيريّة واسعة، مع أن الرئيس الشاذلي بن جديد، قد زاد من الجرعة الدينية داخل مؤسسات الدولة، وخصوصًا الجامعات، مثلما أتاح مساحة حرية لقادتها للتعبير عن اجتهاداتهم وآرائهم، التي كان بعضها مخالفًا لتوجُّهات الدولة، ومُزْعجًا لنظام الحكم.

لم يكن الفعل السياسي للرئيس الشاذلي بن جديد غريبًا ولا جديدًا، ذلك أنه قائد عسكريّ ينتمي –تربويًّا وأيديولوجيًّا وسياسيًّا– إلى قادة الثورة الذين تبنَّوا الإسلام منذ “البيان الأول لثورة نوفمبر 1954”[2]، كما أنه عايش تحول الإسلام إلى أدبيات للثورة، عندما صارت الأخيرة تطبيقًا عمليًّا في بعض جوانبه.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الرئيس بن جديد، والقرارات التي أعلنها، والمواقف التي اتّخذها، لمصلحة هويَّة الشعب وانتمائه من خلال تبنِّي قضايا الإسلام المصيرية داخل الجزائر، فقد عملت الجماعات الدينية المختلفة على توسيع الفجوة بين الشعب وبين نظام حكمه، وصلت أحيانًا إلى التشكيك في قيم الثورة، والقيام بأعمال إرهابية مبكرة، من منطلق استرجاع” قيم الثورة، وتوزيع الثروة، وتحقيق العدالة”.

“الإسلام الرسمي”.. وموقف الجماعات

في بحث الجماعات الدينية عن العدالة، أو الدعوة ضمن خطاباتها إلى التزام السلطة بالدِّين في أفعالها ومواقفها، بدت كأنها ترث أطروحات الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي وقفتْ ضده، وشكَّكت في قرارته ومواقفه أثناء حياته، وطعنت فيها بعد وفاته، مع أنه” كان عميق الإيمان، حريصًا على تطبيق الشريعة الإسلامية، وتكييفها مع الاختيار الاشتراكي.. درس في الأزهر، وكتابه المفضل هو القرآن الكريم، كان يحفظه عن ظهر قلب، ويستشهد بآياته في خطبه..”[3].

الخلاف بين الجماعات الدينية والنظام السياسي في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، رغم التقارب بينهما أحيانًا، والاعتراف المبطن وغير الثابت بمساحة الحرية التي أتاحها النظام لتلك الجماعات للقيام بما اعتبرته “دعوة” أحيانًا أخرى، جاء من ثلاثة عوامل، أوّلها: أن الرئيس الشاذلي قادم من المؤسسة العسكرية، وثانيها: أنه من حزب جبهة التحرير، وثالثها: أنه لا يتمتع بثقافة دينية مرجعية بالرغم من استعانته بعلماء جزائريين، وعرب من أمثال: الشيخ محمد الغزالي[4].

ومع أن الجماعات الدينية نظرت للرئيس الشاذلي بن جديد من زاوية أنه لا يحمل ثقافة إسلامية متعمقة، ومن ثم فهو غير مؤهل لدعمها لتحقيق ما تراه صبغة دينية للدولة الجزائرية، حسبتْها مشروعًا، إلا أن الواقع العملي فنّدَ تصورها، إذ أثبت بن جديد أنه يقود الدولة نحو تعميق إسلام مؤسسي، تكون فيه الأولوية لوعي ديني يطور من التدين الشعبي، ويقف ضد المحاولات الرامية إلى إعادة “أسلمة” المجتمع من جديد، على النحو الذي أظهرته الجماعات الدينية في خطابها ومواقفها.

وبالرغم من موقف جماعات الإسلام السياسي من الرئيس الشاذلي بن جديد، فقد كانت ترحب، أو تستحسن، بما يقوم به أحيانًا، وهذا على عكس موقفها من الرئيس بومدين، مع أنه الأقرب إليها من ناحية المعرفة الدينية والثقافية، فقد كانت تخشى آراء بومدين، خصوصًا تلك الرافضة لنشوء “طبقة رأسمالية في الجزائر”.

غير أن تفصيل جبهة التحرير الوطني للإسلام على مقاسها، بما يناسب أطروحاتها السياسية، لم يلق قبولًا لدى تيار الإسلام السياسي منذ السنوات الأولى للاستقلال، وهكذا توسَّعت دائرة الاختلاف مع الجماعات الدينية بعد تبنّي الجزائر للاشتراكية، مع أنها صبغتها بطابع ديني، وسمّتها “الاشتراكية الإسلامية”، في حين كان مطلب قادة التيار الإسلامي وخصوصًا من بقي من أعضائه المؤسسين الأوائل لجمعية العلماء المسلمين، هو: “إقامة دولة تكون جذورها عربيةً إسلامية”[5]  مثلما جاء في كلمة للشيخ البشير الإبراهيمي أثناء حكم الرئيس أحمد بن بلّه، وعلى خلفيتها وُضِع قيد الإقامة الجبرية.

كان من نتائج النقاش حول الهوية الإسلامية للدولة الجزائرية، نشوء معارضة سلمية للسلطة منذ يناير 1964، تمثلت في نشاط جمعية القِيَم حين عقدت اجتماعًا حضرته ألوف عدة، اعترضت فيه على النفوذ المستمر للثقافة الفرنسية في الجزائر المستقلة، وطالبت الحكومة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز اللغة العربية واحترام القيم الإسلامية.

وفي وقت لاحق تبنّت جمعية القِيَم الفكر الإسلامي المتطرف، لاسيما رئيسها هاشمي التيجاني؛ إذ أصبح يشارك حسن البنا وسيد قطب أفكارهما، وهذا يُعدّ الـتأثير الثاني للفكر الإسلامي المصري في الجزائريين بعد زيارة الشيخ محمد عبده[6]، وانعكست تلك الأفكار على مطبوعات جمعية القيم.

 وانتهى الأمر ببعض أعضائها بالتورط في هجوم شن على التماثيل الرومانية في البلاد، ثم تطور أسلوب الخطاب عندها متّجهًا نحو العنف ورافضًا للتعايش السلمي بين الأحزاب، معتبرًا” خطرًا وغير شرعي، كل حزب سياسي، وكل نظام، وكل قائد، ما لم تركز قواعده على الإسلام”، الأمر دفع الرئيس هواري بومدين إلى حل جمعيّة القيم في سبتمبر 1966م، بل أنه قمع المظاهر الدينية المُنظَّمة للحركة الإسلامية.

وفي تلك الفترة ـ أي أثناء فترة حكم بومدين ـ بدأت المعارضة الإسلامية السلمية، تتفرع إلى” جماعات متعددة، منها ما هو مرتبط بالخارج، وتحديدًا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر”، وقد سبق لها أن ظهرت في فترة حكم الرئيس بن بلّه، لكنها استفحلت، وكشفت عن نفسها في نهاية العام 1974م، وبداية 1975م، بتوزيعها لكراريس في شوارع المدن الجزائرية، و” كان يقودها محفوظ نحناح، الذي ارتبط بروابط عقائدية وشخصية مع جماعة الإخوان في مصر”[7]ومن هنا بدأت الجماعات الدينية معارضة الرئيس بومدين.

 وعلى خلفيَّة العلاقة بين بومدين وبن جديد، أدركت الجماعات الدينية أن انفتاح الرئيس الشاذلي عليها، وتغليبها على التيارات الأخرى من حيث الحضور والتأثير سينتهي بها إلى الانزواء والتراجع، وأن قولها بمحاربة الفساد لن يجعلها معارضة وقادرة على تحقيق أهدافها، ذلك لأنه ـ بن جديد ـ يسير على طريق سلفه ـ بومدين ـ مع اختلاف واحد هو أن هذا الأخير عمل جاهدا لأجل تفكيكها، في حين يعمل بن جديد على تطويقها.

كان واضحًا أن موقف الرئيس جديد من الجماعات الدينية، يظهر طريقة للتعايش معها، ويبطن محاولة تطويقها بدل العمل على اقصائها من المشهد الاجتماعي العام، وأنه تفادى سياسة بومدين القائمة على تفكيك التيار الإسلامي من منطلق أن الدولة أولى من الجماعات الدينية بتحقيق الأهداف الكبرى للإسلام وتحقيق مقاصده. لقد اختار بن جديد طريق الحوار عن بعد بوعي تام، لأجل أن يتميز الإسلام في الجزائر بتصور جزائري خالص، فيه ميراث وقيم الثورة، ويحقق مكاسب المواطنين في ظل توزيع للثروة.

في هذا السياق أظهر الرئيس بن جديد نوعًا من الليونة في التعامل مع الإسلاميين، لكنه في حقيقة الأمر، كان في قراراته وأفعاله وريثًا واعيًا، بل ومنتصرًا لرؤية سلفه بومدين، وإن كان بأسلوب مختلف عنه، حين اعتبر في مذكراته –التي صدرت قبل سنة من وافته– أن جملة بومدين (إننا نرفض أن ندخل الجنة وبطوننا خاوية)، تعبّر في حقيقة الأمر عن تصور جديد لإسلام منفتح على حقائق العصر.. إسلام التسامح والتفتح والحوار، وجرّ عليه هذا التصريح – يقصد بومدين– انتقادات عنيفة في الداخل والخارج”[8].

وبالرغم من إدراك الرئيس الشاذلي لخطورة الإسلاميين، فإنه عمل بقصْدٍ على ترجيح كفَّة النشاط المجتمعي لمصلحة التيار الديني، في وقت لم تتبلور بعد جماعاته في أحزاب معترف بها، أو حتى تنشط في السر، ولا حتى أبدت تشكّلها في تنظيمات تعدُّ أو تسعى لتكوين أحزاب، ومن مارس منها معارضة اختار طريق العنف.

 لقد كان ترجيح السلة في الجزائر لكفة الإسلاميين قبل أحداث أكتوبر 1988، فعلًا سياسيًّا، بل مشروعًا استراتيجيًّا، على غرار تجارب دول عربية أخرى، شكل فيها تيار الإسلام السياسي قوة منافسة للسلطة، لكن اتّضح بعد ذلك أنه مشروع فاشل بالنسبة إلى الدولة، ومن خلاله وعبر عشر سنوات لاحقة “انتقلت الجزائر من دولة كانت تبدو من أكثر دول أفريقيا والعالم العربي استقرارًا على الصعيد السياسي، إلى دولة يخافها جيرانها لكونها بؤرة ضخمة من عدم الاستقرار..”[9].

يمكن القول إن فشل الدولة في استقطاب تيار الإسلام السياسي، والعجز عن تفكيكه وتجنيده تارة، وتطويعه تارة أخرى لمواجهة التيارات الأخرى، من العوامل الرئيسة التي ساعدت على سعْيه إلى السلطة، وما أخّر ذلك، ثم تحوله إلى مطلب أمران: الأول: ظهور أزمة كبرى في الدولة الجزائرية ألهتها عن مواجهة التيار الديني، وتمكُّن هذا الأخير من توظيفها لمصلحته، والأمر الثاني: الاعتراف السياسي والقانوني للأحزاب الدينية.

لقد انتظر تيار الإسلامي السياسي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، أكثر من ربع قرن، حتى يصبح مؤثرًا في صناعة القرار، وذلك حين وظف الغضب الشعبي، الذي بدا عارمًا في أحداث أكتوبر 1988، ووصل إلى درجة الانفجار، ومع أنه كان متوقعًا من ناحية حركته وتوظيفه، إلا أنه لم يكن منتظَرًا بالحدة التي ظهر عليها، والتي أتاحت للجماعات الدينية الظهور العلني كقوة فاعلة ومؤثرة في الأحداث بعد ذلك.

الأحزاب الإسلاموية..  وانفراد الإخوان

 باعتماد دستور 23 فبراير 1989، وطبقًا لمادته الأربعين، ظهرت أحزاب من كل الاتجاهات، وانتشرت بشكل لافِتٍ، حتى أن عددها فاق السَّبْعين حزبًا في سنة 1990 وحدها، ضمَّت تنظيمات من مختلف المشارب الوطنية واليسارية والجهوية والعلمانية والإسلامية، وبدت هذه الأخيرة أكثر انتشارًا في الساحة الوطنية، وأكثر قوة وإعدادًا.

مع ذلك فقد كانت التنظيمات الإسلامية تسير بحذر نحو تحقيق أهدافها، ويسعى كل منها للسيطرة على الساحة، وإن عملت على محاولة التجمع في تكتل واحد، مع المحافظة على خصوصيّة كل تنظيم، وعلى هذا الأساس ظهر أول حزب إسلامي معترف به حمل اسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ برئاسة عباسي مدني، وبموازاته ظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح برئاسة محفوظ نحناح، وجبهة النهضة الإسلامية برئاسة عبد الله جاب الله، ورابطة الدعوة الإسلامية برئاسة أحمد سحنون.

ما يهمنا هنا أن الإخوان المسلمين، رفضوا في البداية تشكيل حزب سياسي، كما رفضوا الانضمام للجبهة الإسلامية للإنقاذ أيضًا، ثم انتهوا إلى قناعةٍ مُفادُها أنه لا جدوى من السعي لتحالف إسلامي، مادامت الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي الأقوى، فضلًا عن أنها سلكت طريق المغالبة والأحادية في مواجهة الجيش، خصوصًا بعد فوزها في الانتخابات البلدية، وتمكنها من تحقيق فوز ساحق في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية، والتي انتهت بحلها، وتوقيف المسار الانتخابي[10].

وعلى خلفية ذلك كله أنشأ الإخوان المسلمون في الجزائر حزبهم عام 1990، وأطلقوا عليه اسم حركة المجتمع الإسلامي تيمُّنًا بـ”حركة المقاومة الإسلامية” (حماس) في فلسطين، لكنهم وطبقًا للتغيرات القانونية التي طالت الأحزاب في العام 1996، بحيث لا يسمح بأن تحمل الأحزاب اسمًا إسلاميًا أو قوميًا أو جهويًا، غيّروا اسم حزبهم ليصبح، كما هو في الوقت الحالي، (حركة مجتمع السّلم) (حمْس)[11].

قبل ذلك، وتحديدًا في العام 1994، أي في وقت مبكر منذ عقدين، عمل الإخوان المسلمون على سد الفراغ الذي تركته الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كانت على خلاف سياسي وعسكري مع النظام الجزائري من جهة، كما أبانوا عن رغبة عارمة في اختراق نظام الحكم.

ظهر ذلك في اشتراك الإخوان المسلمون في “ندوة الوفاق الوطني”، التي جاءت بالجنرال اليمين زروال رئيسًا للدولة، واقترحت ميلاد هيئة تشريعية بديلا عن المجلس الاستشاري، الذي شكله الرئيس محمد بوضياف (الذي اغتيل)، فكان ميلاد المجلس الوطني الانتقالي، الذي شاركت فيه حركة المجتمع الإسلامي بخمسة أعضاء، هم: عبد المجيد مناصرة، وعبد القادر بن قرينة، وبشير طويل، وموسى رزيـق، وعبد اللطيف بن وارد، وتلك كانت أول تجربة مشاركة سياسية لحركة الإخوان المسلمين في أجهزة السلطة والحكم.

وواصلت حركة مجتمع الإسلامي بعد ذلك طريقها نحو السلطة، فدخلت عام 1995 بمرشحها محفوظ نحناح إلى الانتخابات الرئاسية، وتحصلت على المرتبة الثانية بواقع 3.2 مليون صوت وبنسبة 24 % من الأصوات المعبر عنها، وكان هدفها من هذا الترشح إثبات وجودها السياسي، وانخراطها فيه، ومن ثم اكتساب تجربة في تسيير شؤون الدولة.

وفي العام 1996شارك الإخوان في الحكومة بوزيرين كأول تجربة لدخول الإسلاميين الجزائريين إلى الجهاز التنفيذي، إذ كان من نصيبهم وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكتابة الدولة للصيد البحري.

 وفي عام 1997 شاركوا في الانتخابات البرلمانية التعددية، وكذلك في المحليات (البلدية والولاية)، وحصلوا على 71 مقعدًا في المجلس الشعبي الوطني(البرلمان)، ونحو 1100 منتخب محلي منها، وبفضل هذه النسبة ارتفع عدد الوزراء إلى 7 حقائب وزارية، شملت وزارة الصناعة وإعادة الهيكلة، ووزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووزارة السياحة والصناعات التقليدية، ووزارة النقل، وكتابة الدولة للصيد البحري، وكتابة الدولة للبيئة، وكتابة الدولة للصناعات التقليدية.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 1999، وقف الإخوان إلى جانب المرشح عبد العزيز بوتفليقة، وبفوزه وقعوا عقد ائتلاف حزبي ضم كل من: جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة النهضة، وعلى خلفية ذلك، تحصلوا على وزارة العمل والحماية الاجتماعية، ووزارة الصناعة، ووزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووزارة الصيد والمنتجات الصَّيْديَّة.

وفي انتخابات عام 2002 البرلمانية والمحلية، تراجعت حركة الإخوان إلى المرتبة الرابعة، بعد أن كانت تحتل المرتبة الثالثة في الانتخابات السابقة، وذلك بفوزها بـ38 نائبًا في البرلمان، و38 بلدية، ونحو 1200 منتخب محلي، لكنها حافظت في التشكيل الحكومي على أربع وزارات كما كانت في السابق، بالإضافة إلى 10 نواب في مجلس الأمة (6 مترشحين، و4 من الثلث الرئاسي).

وبعد وفاة مؤسسها محفوظ نحناح، انتُخب أبو جرة سلطاني خلفًا له، وسار على طريق سلفه، حتى أنه في الانتخابات الرئاسية في إبريل 2004، عند ترشح عبد العزيز بو تفليقة لعهدة ثانية، شارك الإخوان وقتها في تحالف حزبي داعم لبوتفليقة، انتهى بفوزه بأغلبية كبيرة (84،99%) الأمر الذي نتج عنه تشكيل تحالف رئاسي، استنادًا إلى وثيقة تم توقيعها من أحزاب التحالف، وهي: جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون)

وعلى خلفية مشاركة الإخوان في كل الانتخابات منذ بداية التعددية، تحديدًا في 1991، نجدهم ساعين إلى السلطة، وذلك عبر المشاركة في مختلف الحكومات، من ذلك حكومات أحمد أويحيى المتعاقبة الأولى، والثانية، والثالثة والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة، وهذا على فترات مختلفة.

 كما شاركوا أيضًا في حكومة إسماعيل حمداني، وحكومة أحمد بين بيتور، وحكومة علي بن فليس الأولى، والثانية، وحكومة عبد العزيز بلخادم، ومع ذلك فقد نجوا من أي مساءلة للحكومات المتعاقبة، وركبوا موجة الحراك الاجتماعي، الذي أنهى حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأصبحوا جزءًا من حركة التغيير.

وفي الانتخابات الرئاسية نوفمبر 2019 عادوا للترشح من جديد، لكن عبر تناسل فردي-قيادي، من خلال المرشح عبد القادر بن قرينة، الذي طرح قبل ذاك تنظيمًا إخوانيًّا جديدًا من خلال حزبه حركة البناء الوطني[12]، الذي أسّسه عام 2013، وللعلم فإن بن قرينة هو “ممثل الجزائر في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والذي نال ثقة المرشد العام للإخوان في مصر بدلًا من عبد الرزاق مقري، الرئيس السابق لحركة حمْس”[13].

وعلى صعيد آخر، سبق لـ(حمس) أن أخرجت من تحت عباءتها قياديًا آخر، هو الإخواني عبد المجيد مناصرة الوزير السابق، الذي شكل حزب جبهة التغيير[14] ثم حلّه بعد خمس سنوات من تأسيسه ليعود من جديد إلى الإخوان المسلمين (حمْس).

الواضح أن الانتخابات قد ساعدت مختلف تنظيمات الإخوان المسلمين في الجزائر على الولوج إلى السلطة، حتى لو تراجعوا أحيانًا، من ذلك فوز (حمس) في الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 يونيو 2021 بـ 65 مقعدًا، وفوز حركة البناء الوطني، بـ39 مقعدًا، وهذا يعني فوز الإخوان بربع المقاعد البرلمانية تقريبًا.

الملاحظ أنه منذ الاعتماد الرسمي لحركة حمس (الإخوان المسلمون) لم تتخلّ عن المشاركة في كل الاستحقاقات الانتخابية، وكان من المتوقع لدى كثير من المتابعين، أن يشارك الإخوان في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 7 سبتمبر 2024، إما باختيار مرشح منهم، أو بدعم مرشح توافقي، يحتمل أن يكون الرئيس عبد المجيد تبون في حال ترشحه لعهدة ثانية.

وفي هذا الإطار شهدت صفوف الإخوان مؤخرًا في الجزائر رجة قوية أحدثتها الانتخابات الرئاسية المقبلة، أفضت إلى انشطار التيار بين مؤيد لمرشح السلطة وبين معارض لها، قبل أن يتم انقلاب أبيض داخل الحركة الأم، التي رشحت رئيسها الحالي، بدل السابق الذي كان يهيئ نفسه لخوض الاستحقاق قبل أشهر عدة ، إذ أعلنت حركة مجتمع السلم (حمس) أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر ترشيح رئيسها الحالي عبدالعالي حساني شريف، لخوض سباق الانتخابات الرئاسية بدلًا من رئيسها السابق عبدالرزاق مقري، الذي عبّر منذ أشهر عن طموحه في خوض الاستحقاق باسم الحركة.

في حين أعلنت (حركة البناء الوطني) “إحدى أذرع الإخوان في الجزائر” عن ترشيحها الرئيس عبد المجيد تبّون للانتخابات الرئاسية القادمة، وقال رئيس الحركة عبد القادر بن قرينة، في ختام اجتماع مجلس شورى الحركة المنعقد أمس: إنّ المشاورات أفضت إلى ترشيح الرئيس (تبون) لعهدة ثانية[15].

مقاصد الإخوان.. وسيناريوهات المستقبل

بعد هذا الشرح المفصل لمشاركة الإخوان المسلمين في كل الاستحقاقات الانتخابية (الرئاسية، والتشريعية والمحلية) يُطرح السؤال الآتي:

ما هي المقاصد الظاهرة والخفية للإخوان من مواصلة المشاركة في الحكم، حتى لو كانت الحكومة متهَمة بالفساد؟

بدايةً علينا توضيح مسألة مهمة، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر تروج في خطابها السياسي حين تواجه نقدًا من الرأي العام أم من الأحزاب لموقفها القائل: “نحن نشارك في السلطة، وليس في الحكم”، في مسعى منها لإبعاد الجماعة عن تحمل أي مسؤولية، على ما في ذلك من مغالطة باتت معروفة للجميع، ولكنها لا تزال تروج لها.

وبناءً عليه، فإن هناك مقاصد ظاهرة ومعلنة، منها:

  • اعتبار الإخوان مشاركتهم دعمًا لبناء الدولة الجزائرية في مرحلة ما بعد الإرهاب.
  • القول بالتعايش مع مختلف القوى السياسية المدنية.
  • الإصرار على المشاركة من منطلق وطني على خلفية بيان أول نوفمبر، بوصفه مرجعية لكل القوى والتنظيمات السياسية الجزائرية.
  • إظهار الإخوان كجماعة تميل إلى الحوار، وترفض عنف الجماعات الإسلامية الأخرى، الأمر الذي زيّن للسلطة سوء أعمالها فقامت بإشراكهم في السلطة.
  • القبول بخيارات السلطة بما فيها تلك المختلفة مع توجهاتهم الدينية، ما دام ذلك يسمح لهم بالوجود في الحكم.

هذه بعض المقاصد المعلنة من الإخوان، وهناك أخرى مستترة، ذات صلة بالخارج، وتحديدًا بالتنظيم العالمي للإخوان، منها:

  • مواصلة عملية الاختراق لنظام الحكم، حتى لا يتم تكرار التجربة المصرية، حين وجد الإخوان أنفسهم في السلطة دون تحضير مسبق، انتهى بهم إلى الإبعاد عن الحكم.
  • إحياء فكرة التنظيم (الإخوان) في ظل رفض عربي وتوصيفهم بالإرهاب، من خلال تقديم تجربة الإخوان في الجزائر.
  • التأثير في القرار السياسي الجزائري تجاه الدول العربية الأخرى المعادية للإخوان.
  • التمدد الأفقي في المجتمع الجزائري، وربطه عموديًا بصناعة القرار، بحيث يُعاد إحياء فكرة التنظيم العالمي ومشروعاته.

تملك السلطة الجزائرية معلومات كثيرة أو قليلة عن مقاصد وأهداف الإخوان، ولكنها لا تتوجّس من وجودهم خيفة، وترى فيهم حلًا بديلًا من التنظيمات الإسلامية الأخرى، وخصوصًا التي تتبنى العنف والإرهاب، لكنها تعاملهم بحذر، وخاصة المؤسستين الأمنية والعسكرية، لذا فإن هناك ثلاثة سناريوهات محتملة لعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، هي:

أولًا: أن تستمر مشاركتهم في الحكم، أو كما يسمونه هم “السلطة”، في حدودها الدنيا، كما هي الآن ـ مهما كانت النتائج التي يحققونها في الانتخابات.

ثانيًا: أن يتم إبعاد مثليهم من الترشح للرئاسيات، كما حدث في مرات سابقة، حين كانوا تحت قيادة محفوظ نحناح، وإن كان هذا أمرًا غير وارد في الوقت الراهن، إذ من المتوقع ترشُّح أحدهم لإحداث توازن في الانتخابات المقبلة، خصوصًا بعد أن أعلنت لويزة حنون، رئيسة حزب العمال، عن ترشحها.

ثالثًا: أن تتسع مساحة مشاركتهم، بحيث تشمل حقائب سيادية، وقد يصلون إلى رئاسة الحكومة، وهذا رهين مدى تقبُّل الجيش لدورهم ووجودهم وعلاقتهم بالخارج.

عن "مركز تريندز للبحوث والاستشارات"




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية