الصادق العثماني: خطاب حركات الإسلام السياسي عاطفي هدفه الوصول إلى السلطة

الصادق العثماني: خطاب حركات الإسلام السياسي عاطفي هدفه الوصول إلى السلطة


28/03/2022

أجرى الحوار: ماهر فرغلي

قال الشيخ الصادق العثماني إنّ التجديد الديني "ظاهرة صحيّة وضرورة اجتماعية" تمليها ظروف الحياة المتجددة وتطوراتها المتلاحقة، مشدداً على حاجة المجتمع الإسلامي الملحّة اليوم إلى التجديد، لاسيما في ظل التحوّل الحضاري العالمي الذي تواجهه البشرية عموماً.

وعن رأيه في تجربة الإسلام السياسي في الحكم بعد "الربيع العربي"، رأى الباحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني، أنّها "تجربة فاشلة وستظل فاشلة"، منوهاً إلى أنه كلما تحوّل الإسلام إلى إيديولوجية وحزب وطائفة تبعته الكوارث سواء في البلاد أو العباد؛ لأنّ الإسلام أوسع وأعم وأكبر في أن يختزل في جماعة أو طائفة أو حزب سياسي.

الخطاب الديني للإسلام السياسي مهمته دغدغة عواطف المسلمين وجمع ما يمكن جمعه من الأصوات للوصول إلى السلطة

وبين العثماني، خطاب حركات الإسلام السياسي "عاطفي مثالي مهمته دغدغة عواطف المسلمين وجمع ما يمكن جمعه من الأصوات في الانتخابات للوصول إلى السلطة".

والشيخ الصادق العثماني، مغربي مقيم في البرازيل، يعمل باحثاً في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني، وهو مدير قسم الشؤون الدينية في اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، وخطيب مسجد الاتحاد الإسلامي بساو باولو، له عدة مؤلفات وبحوث منها: "المسلمون في البرازيل عمارة الأرض وبناء الحضارة"، "المسلمون بأمريكا الجنوبية العودة إلى الجذور"، وغيرها من المؤلفات.

في هذا الحوار يتحدث لـ"حفريات" عن رحلته في أمريكا اللاتينية ومراحل الدعوة الإسلامية بها، والعوائق التي يواجهها المسلمون والأقليات في دول القارة.

وهنا نص الحوار:

رحلة الإسلام إلى البرازيل

كيف بدأت رحلتك إلى البرازيل؟

كانت رحلتي مباشرة إلى البرازيل العام 2005 كسياحة، ومن خلالها تعرفت على شعبها وثقافته وحضارته، وأعجبت بهذا البلد الجميل والعظيم، بالإضافة الى تعرفي على الجالية العربية المسلمة، فقررت الإقامة هنا، والعمل في مساجدها ومراكزها الاسلامية كداعية، وهكذا استمر الحال إلى هذا اليوم، والحمد لله رب العالمين.

 كيف دخل الإسلام إلى البرازيل؟

بدأ ذلك مع العرب والمسلمين الذين هاجروا من البلاد العربية وبخاصة بلاد الشام إلى أمريكا اللاتينية والشمالية في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، لكنَّ الإسلام كان موجوداً قبل ذلك في هذه البلاد، وإن كانت هذه الفترة التاريخية بين القرنين الـ19 والـ20 هي التي تعتبر بداية إقامة المجتمع الإسلامي في البرازيل.

لكن بداية وصول الإسلام إلى البرازيل ودول أمريكا اللاتينية كان خلال القرن السادس عشر مع أولى دفعات المستعبدين الأفارقة للاشتغال في مزارع قصب السكر البرازيلية، ومنذئذ ما انفك الوجود الاسلامي يتعزز بالبرازيل على مر العصور مع وصول مهاجرين من دول عربية وأفريقية.

وكان الوجود الفعلي للمسلمين في البرازيل بداية مع مطلع العشرينيات، وعند وصولهم عملوا في بادئ أمرهم باعة متجولين في الشوارع والأسواق الشعبية (الفيرا) وعمالاً في المصانع والمزارع... إلا أنّ التجارة طغت على نشاطهم الاقتصادي، ومع تطور الحياة الاقتصادية والتجارية، تمكن هؤلاء في ظرف وجيز من أن يصبحوا أرباب مصانع ومحلات تجارية فخمة، ومراكز مهمة في السلطات الوطنية البرازيلية.

وهناك من وصل إلى مراتب عالية في مرافق الدولة، نذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، حسين جمعة، الذي رأس الاتحاد الإسلامي في ضاحية ''باريتوس ـ ساو باولو''، ووضع حجر الأساس لمشروع إقامة مسجد في هذه الناحية، وقد روى لي أحد الدعاة أنه عند وفاته أغلقت الدوائر الرسمية أبوابها وحياه سرب من الطائرات منذ خروجه من داره حتى وضع في قبره.

هكذا بدأت الدعوة الإسلامية في البرازيل تتطور رويداً رويداً، وباكورة هذه الصحوة والخلية الأولى لنموها هي الجمعية الخيرية في مدينة ''ساو باولو''، والتي تعتبر الجمعية الأم في البرازيل، كما تعتبر أول جمعية خيرية إسلامية تأسست في جنوب القارة الأمريكية، ويرجع تأسيسها إلى العام 1926، وكان من أهدافها إقامة مسجد، لكن هذا الحلم لم يتحقق نظراً للظروف المادية الصعبة التي كانت تمر بها الجالية، واندلاع الحرب العالمية الثانية، فتأخر هذا المشروع حتى العام 1957.

دخل الإسلام إلى البرازيل مع العرب والمسلمين الذين هاجروا من البلاد العربية وبخاصة بلاد الشام أواخر القرن الـ19

والجمعية كانت واعية بالدور الذي يضطلع به الإعلام، حيث قامت بإصدار صحيفة ''النشرة'' العام 1933، ثم صحيفة ''الذكرى'' العام 1937، ثم ''الرسالة'' والعروبة أخيراً استمرت الدعوة الإسلامية  تشق طريقها في هذه البلاد إلى أن أصبحت تضم بحمد الله وتوفيقه العشرات من المدارس والمساجد، بالمعنى الصحيح للمساجد، أي بمآذن وقباب، هذا بالإضافة إلى عدد كبير للمصليات، وقد وصل إلى أكثر من 120 مسجداً ومصلى ومن أهمها، مسجد البرازيل  بمدينة "ساو باولو" ومسجد أبي بكر الصديق بـ''ساوبرنارد''- ''ساو باولو''  ومسجد الشيخ محمد بن ناصر العبودي في مدينة ''مارينكا'' - ''بارانا'' ومسجد الملك فيصل في مدينة ''لوند رينا''، ومسجد عمر بن الخطاب بمدينة ''فوز ديكواسو"، ومسجد ''باراناكوا''، ومسجد ''كوريتيبا'' و''موجيه'' و''سانتو أمارو'' ومسجد "صلاح الدين الأيوبي" وغيرها.

كما أنّ هناك "اتحاد المؤسسات البرازيلية" والذي تم تأسيسه العام 1979، ويندرج تحته ما يزيد عن 40 جمعية إسلامية والذي يترأسه الدكتور محمد الزغبي، وكان الهدف من تأسيسه السعي في إنشاء جمعيات ومراكز ومساجد ومدارس إسلامية، وبناء علاقات بين المسلمين داخلياً وخارجياً، وقد أسهم هذا الاتحاد في إنشاء بعض المساجد خلال ربع القرن الماضي في مدن برازيلية متفرقة.

 

كيف ترى وضع الدعوة الإسلامية الآن؟

عموماً الدعوة الإسلامية بالبرازيل في تحسن وتطور، نظراً لكثرة الجمعيات والمراكز العاملة في الميدان، وللخصوصيات التي يمتاز بها هذا الشعب، فهو فطري طبيعي عاطفي وبريء، محب ويحترم الآخر، وهذا شيء ملموس ومعروف، بالإضافة إلى قوانين البلد، فهي تضمن حرية التعبد والعبادة، وممارسة أي نشاط ديني بدون أي استفزاز ولا مضايقة، كما هو الحال في بعض دول أوروبا؛ لأنّ هذا الشعب ليس له خلفية تاريخية مع العالم الإسلامي تحمله على الكراهية والحقد، بل العكس هو الصحيح، وجل دول أمريكا اللاتينية ما زالت خصبة لزرع بذور دين الإسلام الوسطي الحضاري المتسامح، ولا يواجه المسلمون اليوم من المشاكل في البرازيل سوى المشاكل نفسها التي تواجه جميع السكان، وهي الشكوى من بعض سرقات المال العام، وبعض المشاكل الأمنية المتفاقمة.

فقه الأقليات

 أي تطبيق لفقه الأقليات تراه ناجحاً؟

لا بد للأقليات أو الجاليات المسلمة التي تعيش في بلاد الغرب أن يكون عندها فقه خاص بها يراعي ظروفها وأحوالها ومكانها، وبهذا نكون قد ساهمنا في إيجاد فقه مهجري، يكون قد تربى وترعرع في أحضان أقضية الناس وهمومهم ومشاكلهم ؛ لأن الفقه الإسلامي هو عبارة عن تراكمات واجتهادات، انبثقت من واقع الناس وظروفهم وأحوالهم الزمانية والمكانية، فالإمام الشافعي غيّر كثيراً من قضايا فقهه ومن فتاواه لما انتقل من العراق إلى مصر لأن الفتوى تتغير حسب الزمان والمكان ولا يمكننا تصدير الفتاوى الدينية من البلاد العربية والإسلامية إلى الأقليات المسلمة كما تصدر السلع، فالجاليات الإسلامية في بلاد الاغتراب تواجه مشاكل عديدة وتحديات خطيرة -وهذا أمر طبيعي- لمسلم يعيش في دولة غالبية أهلها يدينون بغير الإسلام، وهذه التحديات توشك في بعض الأحيان أن تهدد وجودهم.

 بدأت الدعوة الإسلامية في البرازيل تتطور رويداً رويداً

من هنا تبرز أهمية فقه الأقليات المسلمة كما تبرز أهمية المراكز والجمعيات الإسلامية والخيرية والمدارس العربية والمساجد في تقديم وعرض الإسلام ونشر تعاليمه بين الأجيال المسلمة؛ بغية الحفاظ عليها وعلى كيانها وشخصيتها المتمثلة في دينها، الذي يدعو إلى التضامن والوحدة والاعتصام بحبل الله المتين وطريقه القويم، والابتعاد عن التفرقة؛ يقول سبحانه: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم". 

في هذا السياق ينبغي وضمن برامج واستراتيجيات مدروسة ومنتظمة، بالإضافة إيجاد وإنشاء فقه جديد للأقليات المسلمة يواكب مستوى العصر  وتطوراته؛ حيث اليوم أصبح العالم قرية صغيرة، والإنترنت والتلفاز والراديو والصحيفة والكتاب.. من أهم وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ويترتب على عدم تسخيرها واستغلالها نتائج سلبية خطيرة.. لأن أهمُّ ما يميِّز هذه المرحلة من عمر التاريخ البشري هي عملية التفجُّر التِّكنولوجي والمعرفي، وثورة الاتصالات والمعلوماتيَّة، وهذه سِمَات مترابطة ومتشابكة، فعمَلِية التطوُّر في إحداها تؤثر في الأخرى.

البرازيل بلد منفتح على جميع الديانات والإثنيات وليست كغيرها من الدول الأجنبية التي تعيش بها أقليات إسلامية

وبما أننا نحن أمَّة التبْليغ والرسالة؛ كان من الضروري جدّاً أن يُواكِبَ أبناء الجالية ودعاتها هذا التطوُّر، ويُسايرونه بالتعايُش معه وصُحْبته، وفَهْم خصوصياته وأهدافه؛ بغْيَةَ تقديم وحَمْل ديننا ورسالتنا إلى الآخرين، وإبراز أهدافه الإنسانية النبيلة. هنا تأتي الحاجة الملحة لإنتاج فقه الأقليات المسلمة.. فقه حضاري يوحد ولا يفرق، يبني ولا يهدم، فقه يتعايش مع جميع البشر بغض النظر عن عقائدهم وأجناسهم وأوطانهم.. فنوع هذا الفقه ينبغي أن يسود وسط التجمعات المسلمة في الغرب.

ما أبرز مشكلات وعقبات الدعوة التي لمستموها؟

مشاكل وعقبات الدعوة كثيرة ومتعددة في البرازيل ومن أخطرها اختلاف المرجعيات والمذاهب المتبعة عند كل شيخ أو داعية أو مركز اسلامي.. وإلى حد كتابة هذه السطور لا يوجد للجاليات الإسلامية مراجع للمستفتين، ومجالس فتوى، يعالج من خلاله الكثير من القضايا الفقهية والشرعية التي يتعرض لها المسلم يوميا، وهناك عدد من الدعاة والشيوخ معتمدون من بعض الدول العربية والإسلامية والمراكز الإسلامية المحلية المتواجدة بين أحضان الجالية؛ لكن الكل يدلي بدلوه – يصدر فتاوى وأحكاماً حسب قبيلته وعشيرته أو حسب منابع فكره – واحد يجوّز والآخر يحرم.

الجماعات التكفيرية التي تذبح الناس اليوم نتاج لتراث فقهي وفتاوى قيلت في زمن انكسار اﻷمة اﻹسلامية وتخلفها

هذا الاختلاف يؤدي إلى تشويش وتشكيك في صلاحية هذا الدين وخاصة لدى المسلمين الجدد الذين مازالوا بعد لم يفهموا البعد الإنساني والحضاري لشريعة الإسلام، فالذين درسوا الفقه في الجامعات الإسلامية بالمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة المغربية وسوريا ولبنان والهند وباكستان وإفريقيا.. كل له اجتهاده، والكل يتمسك بفكره، وأغلب الأحيان يتمسك بهواه والحميّة لعشيرته وقبيلته ومذهبه، وهذا أحياناً يقع في مسجد واحد، أو في بعض المناسبات الدينية والوطنية، ماذا تعتقد الناشئة؟ أو بماذا يفسر المسلم الجديد إماماً يسبح الله جهراً والآخر لا يسبح جهراً بعد صلاة الفريضة، أو شخص يحرك سبابته بسرعة، والآخر ولا يحركها أصلاً وهم في صف واحد، بالإضافة إلى من يجعل يده في نحره والآخر على بطنه، والآخر على جنبه الأيمن، والآخر على جنبه الأيسر.. أو بماذا نفسر كذلك كون إمام يحرم في دروسه السلام على "الكفار"، وغداً داعية آخر يجيزه وفي المسجد نفسه؟!..

مشاكل وعقبات الدعوة كثيرة ومتعددة في البرازيل

هذه الخلافات تعمق الفرقة والتشتت وتزرع البغض والكراهية في الجاليات الإسلامية وقاداتها.. وهذا الكلام ليس أوهاماً وتخيلات وتخمينات، وإنما هو واقع نشاهد سلبياته يومياً، كم من مصلٍّ طُرد من المسجد بسبب تمسكه بمذهب معين، وكم من داعية حُرم من الخطابة؛ لأنّه لا يوافق رأي القبيلة والعشيرة والأغلبية المنتصرة في الجمعية أو المسجد، فهذه الاضطرابات في المرجعيات والفتوى هو اضطراب في وحدة الجالية واجتماعهم وتحقق وحدتهم.

صحيح أنّ الفتوى أغلبها متعلق بالعالم الأخروي، لكن ضبط الفتوى متعلق باجتماع الناس وائتلافهم وتحقيق مصالحهم العامة الدنيوية والأخروية. ومن مصالح دنيا الناس عامة، والجاليات المسلمة خاصة أن تضبط لهم الفتوى، لهذا الإسلام أناطها بأهل العلم الراسخين فيه المشهود لهم بالاستقامة والأخلاق الفاضلة؛ لأن الفتوى هي إبلاغ بأنّ مقصد رب العالمين، جل وعلا، من الناس في هذه المسألة شرعاً هو كذا. وقد يكون المقصد هنا برعاية نصٍّ، أو قاعدة ارتكاب أخف الضررين أو دفعاً للحرج، أو إغلاق باب الفتنة كما قال إمامنا مالك رحمه الله: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها).

تجديد الخطاب الديني

 كيف ترى دعوات تجديد الخطاب الديني؟

إنّ التجديد ظاهرة صحية وضرورة اجتماعية تمليها ظروف الحياة المتجددة وتطوراتها المتلاحقة، ولم يكن المجتمع الإسلامي في فترة من فترات تاريخه الطويل أحوج إلى التجديد منه اليوم، حين تواجه البشرية عموما والأقلية المسلمة على وجه التحديد مرحلة تحول حضاري عالمي مذهل ومحير طال المعايير والموازين والمبادئ والأخلاق والقيم، ولم ترسُ سفينته بعد، فما تزال تمخر في عباب بحره المتلاطم، ولا تدري هل تتعثر أو تصل إلى بر الأمان؟ ولا ندرى متى يكون ذلك!

المجتمع الإسلامي هو جزء من هذا المجتمع المتحول السائر، هذه المسيرة الحتمية التي لم تتحدد وجهتها بعد؛ لذلك يحتاج إلى خطاب ديني جديد وفكر جديد تصيغه عقول متنورة وأفهام متبصرة، عاشت هذا الواقع وسبرت أغواره وأنجاده، وحللت ظواهره وأبعاده، عقول متنورة بنور المعرفة، متقيدة بضوابط الشريعة، متحررة من الجمود والتقاليد والعادات البالية، ملتزمة بالثوابت دون المتغيرات الدولية؛ بحيث لا يمكن أن نواجه هذا العصر وما فيه من تحديات وتحولات وإشكالات ومشكلات بكتب قديمة، وفتاوى غريبة، وأحاديث موضوعة، وأفكار صيغت في ظروف مغايرة تماماً للظروف التي نعيشها اليوم، أو نظل أسرى لتراث يشتمل على الكثير من الخرافات والأوهام والإسرائيليات.

الجمعية الخيرية في "ساو باولو" تعتبر أول جمعية خيرية إسلامية تأسست في جنوب القارة الأمريكية

كما لا يجوز شرعاً وعقلاً أنّ تستمر بعض فتاوى علمائنا القدامى مصدراً لشؤون الحلال والحرام، مع العلم أنّ الكثير من شيوخنا ودعاتنا إلى حد اليوم مازالوا يقسمون العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، انطلاقاً من هذه الفتاوى التي أكلها الفعل الزماني والمكاني وتجاوزتها مستجدات العصر، وما الجماعات التكفيرية والدموية التي تذبح الناس اليوم على الهوية وباسم الله، وتحت يافطة تطبيق شرع الله إﻻ نتاج لتراث فقهي وفتاوى قيلت في زمن انكسار اﻷمة اﻹسلامية وتخلفها..!

وعلى هذا ﻻ يمكن بحال من اﻷحوال أن تكون هذه الفتاوى دليلنا اليوم نحو الانفتاح والتقدم والنماء والتسامح والتعايش بين أطياف ومكونات وأحزاب ومذاهب وديانات مختلفة يحويها هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة؛ لهذا كان التجديد الديني ضرورة شرعية وواجباً شرعياً تمليه علينا مستجدات الحياة.

حان الوقت للبدء في مسيرة التجديد الديني وغربلة التراث الإسلامي وتنقيته من بعض الأساطير والخرافات والقصص المدسوسة فيه من قبل اﻷعداء والمغرضين، وإلا سيلفظنا التاريخ وتعادينا شعوب العالم أجمع، وقد بدأت للأسف!

هل تأثرتم بما حصل من تنظيم داعش في الشرق؟

نعم، كان لتنظيم داعش الإرهابي أثر سلبي جداً على الإسلام والمسلمين في العالم وخصوصاً الجاليات المسلمة في الغرب، حيث يقدم هؤلاء الصورة المشوهة عن الإسلام، مما يتوجب علينا أن نبذل جهوداً كثيرة من خلال وسائل الإعلام المختلفة حتى نوضح الصورة الحقيقية للدين الإسلامي، وأنّ هؤلاء لا يمثلونه وأعمالهم لا تمتّ للدين الإسلامي بصلة.

لا يجوز شرعاً وعقلاً أنّ تستمر بعض فتاوى علمائنا القدامى مصدراً لشؤون الحلال والحرام

لهذا ينبغي على علماء الإسلام والمراجع الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي والأزهر الشريف القيام بواجبهم وإصدار فتوى شرعية تصنفهم وتحدد مصيرهم، بالإضافة إلى مواجهتهم ومحاربتهم وإقصائهم من المسؤوليات الرسمية، وأن تعمل المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي على تقوية التواصل مع المؤسسات الإسلامية الحقيقية في الغرب، وأن يكون هناك خطاب ديني متسامح ومتعايش ويتماشى مع العصر، مع متابعة ومراقبة بعض المساعدات التي تتحول إلى بعض الجمعيات والمساجد والمراكز في بلاد الغرب، ربما قد تستخدم وتستعمل في مجالات دعم الفكر الإرهابي وتقويته.

 ما هو الدور الذي تلعبه الحكومة في البرازيل معكم؟

إنّ البرازيل بلد منفتح على جميع الديانات والإثنيات، وليست كغيرها من الدول الأجنبية التي تعيش بها أقليات إسلامية، فهنا لا تستطيع التميز بين هذا أو ذاك على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الديانة، فالجميع يعيشون في انسجام تام وحرية مطلقة لا تمس بمعتقدات الآخرين من قريب أو بعيد.. وفي الولايات البرازيلية المختلفة التي يعيش بها نحو مليون ونصف المليون مسلم 70% منهم يتركزون في ولاية "ساو باولو" يمارسون شعائرهم الدينية بحرية تامة، حتى الأطعمة الحلال المذبوحة على الطريقة الإسلامية بإمكانك أن تجدها بسهولة في أي مكان. وهناك أيضاً يوجد نحو 80 مركزاً إسلامياً وجمعية و120 مسجداً جميعها تعمل في إطار من الحوار والتعاون المشترك دون صراع أو خلاف مذهبي قد يلتجئ ويبرز في أي من الجاليات الإسلامية بالدول الأخرى وخصوصاً في أوروبا.

 ما أوجه القصور التي تتمنوا علاجها في البرازيل؟

أكيد هناك قصور وهناك خلافات وإشكالات لدى الجالية المسلمة في البرازيل، لكن نحن نسعى إلى حلها والتغلب عليها، وفي هذا السياق أقول لقد حان الوقت للاتحاد للتضامن.. للتآزر.. فوحدة الجاليات المسلمة في البرازيل تجعلهم في مركز قوة، و"لوبي" قوي يستطيع مخاطبة الجهات السياسية والرسمية وأصحاب القرار في توصيل مطالبها إلى الجهات المسؤولة والمنابر المشروعة.

تحتاج الأقليات في بلاد الغرب أن يكون لها فقه خاص بها يراعي ظروفها وأحوالها ومكانها

كما أنها تصبح كتلة ووحدة متماسكة لها مصداقية فعلية في واقع الناس، تتاح لها جمع موارد الجاليات المسلمة من صدقات وهبات وزكوات، وتستقطب جهدهم في بناء المؤسسات الدينية والتربوية والعلمية والثقافية والإعلامية وغيرها، وخاصة إذا علمنا أنّ المسلم معروف بالكرم والسخاء، لكن مشكل الجالية اليوم في البرازيل الشتات وعدم التخطيط، واستشراف المستقبل، بالإضافة إلى إهمال بعض المسؤولين المتصدرين للعمل الإسلامي والدعوي، مع عدم اهتمام المؤسسات الإسلامية الكبرى في البلاد العربية والإسلامية التي تعنى بشؤون الأقليات الإسلامية، وعلى سبيل المثال اسأل كم من مسجد في البرازيل -أنفق عليه ملايين الدولارات- أغلقت أبوابه بسبب بسيط وهو عدم وجود من يدفع أجرة الإمام أو الداعية؟! وذاب الكثير من أبناء الجاليات، وتنصّر من تنصر نتيجة هذه الوضعية وهذه الخلافات بين الدعاة والمشايخ والمؤسسات والمراكز الإسلامية في البرازيل.

جناية الإسلام السياسي

كيف ترى تجربة الإسلام السياسي في الحكم بعد "الربيع العربي"؟

رأيي الشخصي أنّها تجربة فاشلة وستظل فاشلة وهذا ليس رجماً بالغيب، وإنما هي تجارب ووقائع عبر التاريخ الإسلامي الطويل؛ بحيث شاهدنا في كثير من محطات هذا التاريخ كلما تحول الإسلام إلى إيديولوجية وحزب وطائفة تبعته الكوارث سواء في البلاد أو العباد؛ لأنّ الإسلام أوسع وأعم وأكبر في أن يختزل في جماعة أو طائفة أو حزب سياسي، فهو نور وتزكية وهداية ومحبة وسلم وسلام وتساكن وتعايش ورحمة للعالمين، وأرى من أوجب الواجبات على الحكومات العربية والإسلامية اليوم القيام بسن قوانين صارمة تحدد من خلالها مجالات الدين ومجالات السياسية، حتى لا تقع الكوارث ويفني بعضنا بعضاً؛ لأنّ أصحاب الإسلام السياسي غالباً ما يقومون ببيع الأوهام للناس، وهذا ما فعلته الكنيسة في أوروبا أيام انحطاطها؛ بحيث كانت تقوم ببيع (صك غفران) وهو عبارة عن وثيقة كانت تمنح من الكنيسة الكاثوليكية مقابل مبلغ مالي يدفعه الشخص للكنيسة يختلف قيمته باختلاف ذنوبه، بغرض الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب على الخطايا ثم تمنح له تأشيرة الدخول إلى الجنة!

لا يمكن المحافظة على الهوية الإسلامية للأجيال الصاعدة في بلاد الاغتراب إلا من خلال العناية بتحفيظ القرآن الكريم

هذا ما تفعله حركات الإسلام السياسي، فخطابها الديني هو خطاب عاطفي مثالي مهمته دغدغة عواطف المسلمين وجمع ما يمكن جمعه من الأصوات في الانتخابات للوصول إلى السلطة، دون معالجة هموم المواطنين ومشاكلهم التي يتخبطون فيها، لهذا نحن بحاجة ملحّة للنظر بعمق في مقاصد شريعتنا الإسلامية، التي غايتها سعادة الإنسان وحريته وغذائه وسلامته وأمنه واستقراره.. هذه المقاصد الإسلامية والإنسانية الواسعة تُعد محطات انطلاق تأسيسية وجذرية لخطابات التجديد الديني وعقلنة الشؤون الإسلامية ومؤسساتها، لكي يتم قطع الطريق على دعاة الفتنة وتجار الدين.

 ما هو مستقبل الدعوة في كل أمريكا اللاتينية برأيكم؟

أنا جد متفائل بمستقبل الدعوة في البرازيل وأمريكا اللاتينية عموماً، لكن من باب غيرتنا على استمرارية نور الإسلام ببلاد أمريكا اللاتينية وحتى لا يكون تفاؤلنا أحلاماً وخرافات نود أن نلفت انتباه القائمين على شؤون الجاليات المسلمة إلى مراعاة السبل التالية:

- لا بد من إيجاد صندوق وقف خيري أو بيت الزكاة لدعم مشروعات الدعوة وبرامجها وتغطية احتياجات الجالية دون أن تمد يدها لأحد، بل يمكن من خلاله إيجاد مشاريع استثمارية تفتح فرص العمل لأبناء الجالية وللمسلمين الجدد والمؤلفة قلوبهم، وتشارك السلطات المحلية والدولية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبهذا تضمن مستقبلاً أفضل واستمرارية لهذا الدين الإسلامي في هذه البلاد.

التجديد ظاهرة صحية وضرورة اجتماعية تمليها ظروف الحياة المتجددة وتطوراتها المتلاحقة

 -تأسيس معاهد علمية للدراسات الإسلامية مهمتها تعليم العربية والتعريف بالإسلام لغير المسلمين والراغبين في تعليم اللغة العربية ومعرفة الإسلام، ونشر وترجمة أهم ما يمس الإسلام والدعوة إليه، وربط العلاقات بالأوساط الجامعية طلاباً وأبحاثاً، والدخول في تعاون مع كبار الشخصيات الثقافية والجامعية والفنية والسياسية، وتزويد المكاتب والمؤسسات المهمة الأخرى بالكتب الإسلامية المترجمة، وتنظيم محاضرات وندوات ومؤتمرات في موضوعات إسلامية وخصوصاً التي تنصب حول التعايش بين الحضارات والشعوب والديانات السماوية، مع توجيه الدعوات إلى كبار الشخصيات وأساتذة الجامعات الغربية لزيارة البلدان العربية والإسلامية لتوثيق العلاقات الثقافية والاجتماعية والدبلوماسية.

- العمل على إنشاء شبكة اتصالات معلوماتية لنشر الثقافة الإسلامية والحضارة العربية، مع السعي على إنشاء فضائيات وقنوات تلفزيونية إسلامية، فإن تعذر ذلك فنرى فتح نافذة إعلامية عن طريق إحدى القنوات -ولو ساعات محددة- يتم من خلالها تقديم الإسلام في صورة صحيحة وبأساليب عصرية مشوقة، ويقوم بهذه المهمة من هو أهل لذلك من أصحاب الاختصاص، ويمكن إعداد إعلاميين من أبناء الجالية بعد تزويدهم بالمادة والأفكار التي يراد نشرها عبر الجهاز الحساس والمهم والذي أصبح الداعية رقم واحد سلباً أو إيجاباً.

 -إنشاء مؤسسات تجارية واقتصادية مربحة، وبذلك يتوفر العمل لمن حسن إسلامه، مع تخصيص نسبة من الربح للدعوة الإسلامية، من بناء المساجد والمدارس وتنظيم المخيمات الشبابية ومساعدة المحتاجين والأرامل. وبهذا نكون قد ساهمنا في دعم اقتصاد الدولة التي نعيش فيها، وأعطينا صورة مشرقة وضاءة للإسلام والمسلمين في تلك الدول.

لم يكن المجتمع الإسلامي في فترة من فترات تاريخه الطويل أحوج إلى التجديد منه اليوم

 - ولا يمكن المحافظة على الهوية الإسلامية للأجيال الصاعدة في بلاد الاغتراب إلا من خلال العناية بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية، ولهذا نلحّ على جميع المراكز والجمعيات والمساجد والمتصدرين للدعوة أن يقوموا بفتح فصول تعليمية في مراكزهم ومساجدهم، وإيجاد الحوافز لتشجيع الطلاب والطالبات للإقبال على التعلم وتقديم النموذج الحي للتعليم الإسلامي، ومن خلاله نربط أبناء الجاليات الإسلامية بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب أوطانهم الأصلية، وهذا يحميهم من شرور الإعلام المائع والفاسد ومن فكر التكفيريين والمتنطعين في الدين.

- ضرورة الاهتمام بشؤون المرأة المسلمة المهاجرة في البرامج التعليمية والدعوية والاجتماعية، والتأكيد على ضرورة صيانة كرامتها وعزتها، وتفعيل المؤسسات واللجان الاجتماعية المتعلقة بشأن الأسرة، لتكون المرأة داعية وقائدة الأسرة وموجهة الأطفال إلى شاطئ الخير والنجاح والفلاح.

- جعل المذهب المالكي مذهباً رسمياً للجاليات الإسلامية بالدول الغربية؛ نظراً لتميزه عن باقي المذاهب الأخرى السنية بعدة مزايا وخصوصاً على مستوى أصول الفقه المتمثلة في القرآن والسنة وإجماع الأمة، وعمل أهل المدينة والقياس والاستحسان والاستقراء، بالإضافة إلى قول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف، مع الأخذ بالأحوط ومراعاة الخلاف، ناهيك عن القواعد الفقهية المتفرعة عنها والتي أوصلها بعض فقهاء المالكية رحمهم الله تعالى إلى 1200 قاعدة تشمل جميع أبواب الفقه ومجالاته. فالمالكية أخذوا بجميع هذه الأصول بينما غيرهم لم يأخذ إلا ببعضها ورد الباقي؛ الأمر الذي أوصل بعض أصحاب هذه المذاهب والمدارس والإيديولوجيات إلى الباب المسدود في استنباط الأحكام ومسايرة الواقع المعاصر والمتجدد.. وهذا قد أدى إلى التنطع والتشدد والغلو والانكماش على الذات، والنتيجة خروج الأمة الإسلامية عن الركب الحضاري وصناعة التاريخ البشري والإنساني.

نحتاج  إلى خطاب ديني جديد وفكر جديد تصيغه عقول متنورة وأفهام متبصرة

هذا التنوع في الأصول والمصادر، والمزاوجة بين العقل والنقل والأثر والنظر وعدم الجمود على النقل أو الانسياق وراء العقل هي الميزة التي ميزت المذهب المالكي عن مدرسة المحدثين ومدرسة أهل الرأي، وهي سر اعتداله ووسطيته وانتشاره والإقبال الشديد عليه؛ بسبب انفتاحه على غيره من المذاهب الفقهية والشرائع السماوية السابقة، واعترافه بالآخر واستعداده التام للتعايش معه والاستفادة منه بفضل قاعدة "شرع من قبلنا شرع لنا" ما لم يرد ناسخ التي اتخذها الإمام مالك أصلاً من أصوله، وهكذا أخذ المالكية بمشروعية الجعالة والكفالة من شريعة يوسف عليه السلام.

ولمرونة المذهب المالكي ندعو شخصياً قادة الجاليات الإسلامية ورموزها وأئمة المساجد الأخذ به واعتماده رسمياً في بلاد الاغتراب، ومن الأكيد سيساهم في حل الكثير من المشاكل والهموم التي تتخبط فيها الجاليات الإسلامية بالدول الغربية، وعلى رأسها ظاهرة "الإسلاموفوبيا" التي أتت كرد فعل ونتيجة لظهور وسيطرة الفكر الإخواني والسلفي التكفيري واستحواذه على الكثير من عقول الشباب الإسلامي في بلاد الاغتراب .

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية