الإمارات وتونس: إعلام الجزيرة والإخوان يحاول صناعة أزمة من لا شيء

الإمارات وتونس

الإمارات وتونس: إعلام الجزيرة والإخوان يحاول صناعة أزمة من لا شيء


26/12/2017

يحق للصحافة ووسائل الإعلام تناول أية قضية في المجال العام، وإبراز وقائعها وتفاعلاتها، ولكن قناة الجزيرة وأخواتها وإعلام الإخوان في عدة مواقع وقنواتٍ تقوم بذلك دون أدنى مهنية أو مصداقية؛ حيث تعاملت مثلاً مع مسألة المنع المؤقت الذي قام به طيران الإمارات للتونسيات من السفر إلى الإمارات بسبب تهديد أمني جدي يتعلق بـ "إمكانية وقوع عملية إرهابية في الناقلة الوطنية تقوم بها نساء إما تونسيات أو حاملات لجواز سفر تونسي مزور"؛ حيث اعتبرت هذه المنصات الإعلامية المتحيزة أنّ المنع الأمني المؤقت يقع في دائرة "الغطرسة".

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ بل عملت هذه المواقع على تأليب الرأي العام التونسي والعربي، من خلال ما نشرته على منصاتها وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بعناوين فاقعة توحي بأنّ المواطنين في تونس والإمارات، يعيشون خلافاتٍ سياسية حادة منذ زمنٍ طويل.

وجاءت عناوين مثل: "تونسيات ضد غطرسة الإمارات"، أو "تونس سترد على الإمارات"، أو "الإمارات تصور التونسيات على أنهن إرهابيات"، إضافة لعناوين أخرى، لتظهر مدى الحملة الممنهجة السطحية ضد الإمارات، أيضاً، تشير سرعة تناول القضية قبل أن تتفاعل نتائجها رسمياً بين الدولتين، إلى وجود استهداف مسبق، لتخريب العلاقة بين الدولتين الشقيقتين وتضخيم تداعيات القرار المؤقت لأسباب أمنية محضة بما يضرهما. وكأنّ الإمارات كدولة استفاقت فجأة وقررت توجيه إهانة للمرأة التونسية، متناسين أن الإمارات قدمت نموذجاً رائداً في تمكين المرأة العربية وأنّ من بين العاملين في الخطوط الإماراتية نفسها المئات من التونسيات والتونسيين.

المسؤولون في تونس والإمارات أكدوا أن منع التونسيات من صعود طائرة الإماراتية هو إجراء أمني مؤقت

أما السعي لشيطنة قرار دولة الإمارات العربية المتحدة، فيبدو أنه يخدم مصالح المترصدين من جماعات الإسلام السياسي من جماعة الإخوان وفرعها التونسي ممثلاً بحزب النهضة، ومن يدعمهم، من باب "الانتقام" من الدور الذي تلعبه الإمارات في تخفيف أو إيقاف الآثار المدمرة لأطماع هؤلاء في السلطة بالدول العربية التي طالتها فوضى "الربيع العربي"؛ حيث يشي قرار وزارة النقل التونسية المتسرع "بتعليق رحلات شركة طيران الإمارات من وإلى تونس"، إلى ضغوطاتٍ مارستها "حركة النهضة الإخوانية وحزب المنصف المرزوقي" كما يرى محللون، من أبرزهم الكاتب حسن المرزوقي في مقالته المنشورة على موقع العين بتاريخ 25 كانون الأول (ديسمبر) 2017. في حين أن حسابات تعليق رحلات ناقلات الإماراتية سيصيب الآلاف من العاملين التونسيين في الإمارات بالضرر بالنظر إلى أن الطيران التونسي لا يشغل رحلات أصلاً في هذا الاتجاه. مما قد يضع الحسابات الاقتصادية الآن لطيران الإماراتية لتكون في واجهة المفاوضات لإعادة التشغيل وهي اعتبارات اقتصادية محضة.

أيضاً، يبدو أنّ القرار الذي يُعد مؤقتاً كما أصبح واضحاً، ويهدف إلى منع خطر محتمل وجدي، قد تم تناوله من قبول منصات الإخوان ومناصريهم في مقالات عديدة؛ حيث يبدو وكأنّه مبني على سياسةٍ موضوعة مسبقاً من قبل الإمارات؛ إذ تناسى كتاب هذه المقالات أنّ القرار بهذا الشكل المؤقت هو الأول من نوعه، وأنّ سوابق محدودة وفردية أوقفت فيها نساء تونسيات بتهم "الانتماء أو الترويج لتنظيم داعش الإرهابي" خلال عامي 2015 و 2016، غير أنّ هذا لم يؤثر على العلاقات بين الدولتين الشقيقتين، ولا على علاقات تونس بدول عربية شقيقة أخرى. ويبدو أحياناً أن التقليل المتعمد من جدية التهديدات الإرهابية هو سبب في وقوع هذه العلميات الإرهابية على أرض الواقع في الكثير من الدول العربية والغربية، وهو الأمر الذي لا يجري حوله النقاش أصلاً ويتم عمداً القفز عليه لصالح توجيه الرأي العام لجهة توتير العلاقات الثنائية بين البلدين، في حين يعرف القائمون في أمر الأمن والإعلام أن الناقل الإماراتي تعرض مع بداية هذا العام لمحاولة تفجير لرحلتها القادمة من أستراليا من قبل مناصر لتنظيم داعش الإرهابي وفقاً للتحقيقات الرسمية في أستراليا. مما يجعل تأمين حياة الناس في النهاية هو الأولوية القصوى لأية دولة.

تناست هذه المنصات أن الترويج للخطاب المتطرف هو الذي يخلق مناخات للإرهاب في المنطقة

وتتناسى منصات الجزيرة وأخواتها والإخوان عن قصد وفجاجة أنّ التهديدات الإرهابية ضربت تونس نفسها مرات عديدة حتى إن الاجتماع التونسي نفسه يثور فيه جدل عميق حول كيفية التعامل مع التونسيين الداعشيين لتونس من سوريا مثلاً.

وقد أتى رد الفعل الرسمي التونسي، على لسانِ المتحدثة باسم الرئاسة التونسية سعيدة قراش ليؤكد ما قالته الإمارات؛ إذ قالت المتحدثة يوم الإثنين 25 كانون الأول (ديسمبر) 2017 أن "تهديداتٍ إرهابية"، تقف وراء قرار الإمارات، وأنه لا وجود لأزمةٍ بن البلدين، كما إنه وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية التي نقلت تصريح قراش، فإن "الإمارات العربية المتحدة تحترم المرأة التونسية".

من ناحيته، أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش من خلال تغريدة له على صفحته بموقع تويتر أنه "تم التواصل مع الإخوة في تونس حول معلومة أمنية فرضت إجراءات محددة وظرفية، وفي الإمارات نفخر بتجربتنا في تمكين المرأة، ونقدر المرأة التونسية ونحترمها ونثمن تجربتها الرائدة، ونعتبرها صمام الأمان، ولنتفادى معاً محاولات التأويل والمغالطة".

عناوين منصات الجزيرة والإخوان تحاول اختلاق أزمة بين البلدين وتزييف الوقائع

غير أنّ عناوين وسائل الإعلام المذكورة سابقاً، أوجدت أزمتها الخاصة، وحاولت خلق واقعٍ مأزوم، مركزةً على أن الإمارات "تهين المرأة التونسية"، ولا تحفل بحقوقها، متحدثة عن "صدمةٍ إماراتية" بعد قرار تونس تعليق رحلات طيران الإمارات إليها، بل وذهبت لأبعد من ذلك؛ إذ قامت بإقحام سياسي غير مفهوم، بالحديث عن الصراعات بين الأحزاب في تونس، وأن هنالك دولاً منها الإمارات، تحاول بناء علاقات مع بعض هذه الأحزاب.

وربما تتناسى هذه المنصات، التي توظف الأحداث والقضايا لمصلحة الدولة التي تدعمها وتدعم مشروع الإخوان السياسي في المنطقة، أن هذه الدولة تتهم بأنها من أكثر الدول تدخلاً في شؤون تونس الداخلية منذ "الربيع العربي"، بدعمها لحزب النهضة بعد اشتعال أحداث الثورة التونسية، وتوجد في هذا الشأن تحقيقاتٌ أعلنت عنها وزارة الدفاع التونسية منذ حزيران (يونيو) 2017.

أظهرت تغطية الجزيرة وإعلام الإخوان وجود حملة مسبقة وممنهجة سطحية ضد  جهد الإمارات في حماية أمنها

وهي تأتي استكمالاً لـ "تحقيقات حول التمويلات الخارجية في تونس، بدأت عام 2014 عندما طرح رئيس الحكومة الأسبق مهدي بن جمعة على القضاء العسكري ملفاً بشأن أموال مشبوهة من تلك الدولة، مشيراً إلى أنّ "الهاجس من هذه التدخلات المشبوهة بدأ بعد الثورة مباشرة عام 2011".

وكانت تونس في حينه، اعتبرت المسألة، مسألة "أمنٍ قومي"، تماماً مثلما تفعل دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، حيث من الطبيعي أن تتخذ إجراءات وقائية مؤقتة، وهي التي تتمتع بعلاقاتٍ خارجية عميقة مع أشقائها العرب عموماً، ومع تونس خصوصاً، التي يعمل 500 من أبنائها وبناتها في شركة طيران الإمارات.

إن ما يحصل منذ بدء الأزمة الخليجية، وتحيز الكثير من وسائل الإعلام الإلكترونية لمصلحة جهة بعينها، جعل أي قرارٍ "أمني وطني"، مادة قابلة للمزايدة الكاذبة، والاحتيال لتزييف وعي المتلقي، من قبل منصاتٍ تجاهلت "الخطاب المتطرف" المتمثل بجماعة الإخوان وغيرها، الذي انتشر في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، وتجاهلت من يدعمه، ويقوم بنشره، كما لم تفكر للحظة، في أن هذا الخطاب، هو السبب الرئيسي، فيما نحن فيه الآن من شيوع التنظيمات الإرهابية وثقافة الكراهية والتعصب، مما جر العالم العربي إلى مواجهة مستمرة مع هذه الثقافة المتخلفة وتداعياتاها الإرهابية.

الصفحة الرئيسية