الأزهر بين مواجهة الارهاب وإرهاب المواجهة

الأزهر بين مواجهة الارهاب وإرهاب المواجهة

الأزهر بين مواجهة الارهاب وإرهاب المواجهة


15/01/2023

منير أديب

لا يمكن مواجهة الإرهاب ولا كسر شوكة تنظيماته إلا بدور فعّال للمؤسسة الدينية؛ فهذه المؤسسة هي الأقدر على تفكيك خطاب هذه التنظيمات التي تستند في جزء كبير منها على نصوص دينية. صحيح أن هذه النصوص مقتطعة من سياقها، ولكن يبقى أن تفكيك القراءة الخاطئة لهذه النصوص هي مهمة المؤسسات الدينية، فضلاً عن مهام أخرى لها علاقة بتقديم الخطاب الوسطي للدين، القراءة الصحيحة غير المجتزئة، خطاب بديل لخطاب تنظيمات الإسلام السياسي الذي تسرّب إلى حياة الكثير من النّاس.

الأزهر الشريف من أهم المؤسسات الدينية في عالمنا العربي... قامت هذه المؤسسة بدور كبير في مهمة تجديد الخطاب الديني، وإن كنّا نرى أن دورها المقبل أهم بكثير مما مضى؛ فإذا وصلت إلى مرحلة تجديد الفكر الديني فبذلك تكون قد وضعت قدمها على خطوات المواجهة الحقيقية لخطاب التنظيمات المتطرفة، إذ إن هناك فرقاً شاسعاً بين تجديد الخطاب وتجديد الفكر الديني!

فنحن في حاجة ماسة إلى تجديد الفكر الديني مما علق به من أفكار عدّها البعض تراثاً لا علاقة لها بالدين، وبعض هذا التراث يشكل عبئاً على الدين وقد يُخالف النص الديني ذاته؛ وهي مهمة تبدو صعبة وجريئة. فهناك الكثير من حرّاس المعبد قد لا يسمحون لك بتجديد الخطاب فضلاً عن تجديد الفكر من شوائب التراث التي لا تتسق مع صحيح الدين، وهذه مهمة الأزهر الشريف التي يعمل عليها ولكن ببطء شديد وسط حرب ضروس ضده، بعضها من داخله والبعض الآخر من خارجه.

إذا كنّا جادين في مواجهة الإرهاب فلا بد من دعم المؤسسة الدينية عموماً ودعم الأزهر الشريف على وجه الخصوص؛ فكلما ضعفت هذه المؤسسة توغّل خطاب جماعات الإسلام السياسي في بيئتنا العربية؛ إذ تُعاني هذه المؤسسة من تطرف اليمين واليسار معاً! فهناك من لا يرى أهمية لوجودها ويراها عبئاً على الدين وهناك من يراها ضد الدين نفسه، فهي ما بين يمين متطرف اتهمها بالتفريط وما بين يسار متطرف اتهمها بالمغالاة.

أبلت مؤسسة الأزهر الشريف بلاءً حسناً في معركة مواجهة الإرهاب في مصر، سواء في تسعينات القرن الماضي أو في معركة مواجهة الإرهاب بعد العام 2013، فقد وقفت كالطود الأشم تنافح عن الدين وسط هجوم المتنطعين والمتسكعين، الذين يتهمون رجالها تارة بالتفريط وتارة بأنهم رجال السلطة، فلم يثنهم هذا من القيام بدورهم.

انتشر الإرهاب في مصر عندما تم إضعاف المؤسسة الدينية الرسمية، فلا مصلحة في الاستمرار في ذلك. صحيح أن هذه المؤسسة تحتاج إلى إصلاح داخلي، ولكن هذا لا يعني هدمها على رأس العاملين فيها أو تشويه صورتهم، فنحن لا نسوّق لعدم انتقادها، ولكننا نحذر من نقضها، فأي هجوم مرحب به طالما كان نقداً هدفه تصحيح مسار المؤسسة وإصلاحها وأي نقض لها يصب في مصلحة جماعات الإسلام السياسي.

لا ندعو إلى تقديس مؤسسة الأزهر الشريف ولا العاملين فيها ولكننا نرى أهمية احترامها ودعمها في الوقت نفسه، فهي جديرة بهذا الاحترام وتحتاج إلى هذا الدعم أيضاً، فلا تزال مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحتاج إلى دور هذه المؤسسة وسط القراءات الخاطئة للدين من قبل جماعات العنف والتطرف التي عمدت إلى حصاره في الاعتداء على الآخرين بينما أغفلت الجزء الحضاري منه.

منذ نشأة مؤسسة الأزهر الشريف قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام وهي تقوم بالدفاع عن الإسلام. دورها مرتبط بنشأة الجامع الأزهر منذ هذا التاريخ، وقد توارث رجالها الإخلاص ومن قبله الفهم الدقيق لهذا الدين، وبالتالي أي هدم للمؤسسة سوف يؤثر على صورة الدين عند النّاس، ليس في مصر فقط ولكن في العالم العربي والإسلامي، فهي المؤسسة الأكثر وسطية بين المؤسسات الدينية ودور الإفتاء في العالمين العربي والإسلامي.

الإمام أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، من أهم أعمدة الجامع الأزهر، علماً وفقهاً وحكمة، فهو صاحب رؤية دفعت بهذه المؤسسة للأمام، إذ لا يمكن إنكار دوره، خصوصاً أنه قادها وسط أمواج عاتية من الحملات الممنهجة التي هدف بعضها إلى تصفية الحسابات مع الدين نفسه. نحّى الرجل الهوى جانباً وقدم مصلحة المؤسسة على أي خصومة بغية النهوض بدورها، فكانت ولا تزال بحق مؤسسة وطنية من الطراز الفريد.

الإمام الطيب اسم على مسمى، تبدو طيبة الإسلام على محياه، فهو خير سفير لهذا الدين، فعلى يديه رفع الله شأنه وعلى يديه يصل هذا الدين إلى ملايين البشر في كل أنحاء العالم، فسوف يظل إماماً عظيماً يقود هذه المؤسسة للقيام بدورها في خدمة الدين في كل بقاع الأرض.

حملات المغرضين والمتنطعين وصلت إلى إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي؛ هؤلاء صنعوا فرية التآليه والتقديس ثم بدأو يناقشونها، فلم يقل أحد أن الشعراوي مُنزل من السماء أو أنه بشر لا يخطئ حتى يتم تشويه الرجل بداعي جواز انتقاده وتشويهه!

مات الرجل قبل خمسة وعشرين عاماً ولا تزال دروسه ومحاضراته تُشكل الوعي العربي وترسم خطوطاً رائعة في تفسير القرآن الكريم بوسطية واعتدال؛ فالذين اعتادوا الهجوم على الإمامين (الطيب والشعراوي) إما أنهم من دائمي الهجوم على الإسلام عموماً، وهذا خيارهم، وبالتالي يأتي هذا الهجوم في هذا السياق، أو أنهم لديهم مشكلة مع المؤسسات الدينية الوطنية مثل الأزهر الشريف أو دار الإفتاء، وبالتالي مع كل رجالهما ومشايخهما، فهؤلاء رغم قلتهم إلا أن صوتهم يبدو الأعلى.

سوف نظل ندافع عن مؤسسة الأزهر ضد نقضها، وإن كنّا نرى أهمية نقدها وديمومة هذا السلوك؛ فاعترافنا بأهمية دورها يدفعنا إلى النقد المستمر لتصحيح مسارها، ولكننا في الوقت نفسه نرى خطورة منحى التشويه وأثر ذلك على تسويق خطاب جماعات الإسلام السياسي، وهنا تبدو أهمية حماية هذه المؤسسة من التطرف بحيث لا تقع أسيرة بين تطرف الغلاة وغلاة التطرف.

عن "النهار" العربي



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية