الدولة المتخيلة لدى الإخوان: نسخة عن ماض لا وجود له

الدولة المتخيلة لدى الإخوان: نسخة عن ماض لا وجود له

الدولة المتخيلة لدى الإخوان: نسخة عن ماض لا وجود له


10/06/2024

لم تكن التيارات الإسلامية لتحلم بعودة الخلافة الإسلامية لولا التصورات المغلوطة والأفكار المجتزأة التي يتبنونها عن هذا الكيان السياسي، الذي يصح عليه وصف الديني لا التاريخي. ولم تتشكل تصورات التيارات الدينية عن ماضي المجتمعات المسلمة انطلاقاً من دراسات تاريخية منهجية، بل جرى تبني تصور أولي عن هذا التاريخ، ثم تطويع الكتابات التاريخية لتؤكد على هذا التصورات الذهنية القبْلية.

وبقدر ما تُعتبر هذه المشكلة حديثة، حيث وُجدت في البداية مع مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، في كتاباته ورسائله التي حدد من خلالها أهداف ومهام تنظيمه الوليد، تعتبر بقدر ما، مشكلة موروثة من التراث الديني والتاريخي للمسلمين، الذين طغت عليهم مسحة من القداسة تجاه الفترة التأسيسية للدين الإسلامي وخلفاء النبي محمد، عليه السلام، ثم بعد ذلك من خلال الصراع مع المعارضة الشيعية.

الخلافة: العدل والثروة

من على منبر الجمعة في أحد المساجد في قرية مصرية، وقف خطيب ينتمي للتيار السلفي، منفعلاً على حال الأمة الإسلامية اليوم، ومذكراً البسطاء أمامه بالرخاء والثروات والعدل الذي عاشته الدول الإسلامية في زمن الخلافة المفقودة. وكعادة أتباع هذه التيارات، هناك عدة مرويات وقصص تُحكى في كل مناسبة، مثل القول المنسوب للخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي خاطب السحاب من شرفة قصره قائلاً "أيتها السماء أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك بإذن الله؟". ثم صدح الخطيب بقول الفرزدق "أولئك آبائي فجئني بمثلهم، إذا جمعتنا يا جرير المجامع".

ولم تفكر التيارات الدينية بداية بحسن البنا في ماهية تلك الدولة الإسلامية التي يعملون على استعادتها، فهي بالنسبة إليهم مجموعة من العناوين العريضة، التي تحمل صورة مثالية في كل شيء. وعند تلك التيارات تصدّر الواعظ ليكتب في التاريخ، حيث الأخير عندهم ليس علماً مستقلاً له مبادئه ومناهجه وأدواته، فتلك الأشياء هي فنون غربية هدفها تشويه صورة التاريخ الناصع.

محمد الغيطاني: التاريخ الإسلامي هو تاريخ أنظمة حكم

وعلى سبيل المثال، في الشق الاقتصادي الذي قامت عليه الدول في تاريخ المسلمين، يصورها هؤلاء على أنّها دولة الثراء التي كانت تمنح الأرزاق لكل شخص، دون إدراك لطبيعة الثروة في تلك الدول، والتي كانت كمثيلاتها في عصرها في كل الكوكب، تقوم على نمط أو آخر من الإقطاع والجباية الذي يصب في صالح الأقلية على حساب الأغلبية المسحوقة.

يرى الكاتب والباحث المصري، محمد الغيطاني، بأنّ ما يسمى التاريخ الإسلامي هو تاريخ أنظمة حكم، تمثّل نفسها ولا تمثّل الإسلام. وأضاف لـ"حفريات" أنّ تلك الأنظمة نشأت من الصراع على الحكم، بدايةً من الدولة الأموية، التي حكمت لنصرة بني أمية على بني هاشم، أي أنّها كانت بمثابة دولة ارتداد للقبلية، ومثل الجماعات الإسلامية اتخذت من الدين ستاراً كاذباً.

لو قرأت التيارات الدينية العلاقات الخارجية للدول وفق سياق عصرها، ومن منطلق أنّها نتاج بشري لأمكن لها كسر العزلة الشعورية عن العالم

وأشار الغيطاني إلى أنّ ممارسات الأمويين تجاه آل البيت دليل على زيف الراية الإسلامية لهم، ومثلهم العباسيون الذين اتخذوا من الإسلام شعاراً، لكنهم كانوا قبليين في المقام الأول.

ويؤكد الغيطاني على ضرورة قراءة التاريخ بعمق، انطلاقاً من مفهوم أنّه تاريخ الإنسان والإنسانية في المطلق، وبنظرة نقدية لا تتبع الهوى والهوية في القراءة؛ حتى لا يكون القارئ مجرد تابع لأي كاتب.

دولة الشريعة أم شريعة الدولة

إلى جانب الصورة المتخيلة عن الأمجاد المفقودة، هناك التأسيس العقدي لوجوب تطبيق الشريعة كجزء من تلك الدولة المتخيلة. يتناول المفكر المصري عبد الجواد ياسين تلك القضية. وكتب في مقالات نشرها في موقع "بوابة الوفد"، بأنّ "هذا الطرح الأصولي يعبر عن رؤية المدونة الفقهية، الموروثة من التاريخ السياسي الإسلامي، والتي تشكلت في ظل الثقافة السائدة في العصور الوسطى بطابعها الثيوقراطي والأوتوقراطي الصريح".

ويذكر ياسين أنّه نتيجة لذلك اُختزلت الدولة في شخص الحاكم الفرد الذي يُشار إليه بولي الأمر، وهي صيغة تظهر مدى التباعد عن مفاهيم الدولة الحديثة بتكوينها المؤسسي القائم على توزيع السلطة، والفصل بين الدولة والحكومة، وتعزيز فكرة السيادة الشعبية.

كتب ياسين: "عبر هذه المدونة تخلقت فكرة الشريعة كجزء من بنية الدين. وفي واقع الأمر، لا تعبر المدونة عن أكثر من طرح خاص بسياقها التاريخي، أي عن فهم معين للإسلام". ويرى أنّ الدولة في تاريخ الإسلام هي من صنعت مفهوم الشريعة، وصدرته التيارات الدينية إلى الوعي الإسلامي كأنّه جزء من الدين. يقول ياسين بأنّ "الحضور المتواصل للدولة هو الذي كرس مفهوم الشريعة وليس العكس كما يؤكد التنظير السلفي، الذي يروج لمقولة أن حضور الشريعة في النص هو الذي أوجب إنشاء الدولة."

وضع قطب الأسس النظرية للدولة المتخيلة التي يؤمن بها الإسلاميون

ويخلص ياسين إلى أنّ الوعي الإسلامي التقليدي يقع "ضحية لهذه الفكرة التاريخية التي تضع الإسلام في خصومة أبدية مع حركة التطور الطبيعي، وحتى الآن لا يزال التضليل الأصولي يمنع هذا الوعي من مناقشة الحل الوحيد الممكن لهذه المعضلة، وهو أنّ الشريعة الفقهية ليست من المطلق الإلهي الثابت العصي على التغيير."

ونّظر سيد قطب لذلك في كتابه "معالم في الطريق"، وكتب شارحاً الجاهلية التي وصم بها العالم، بأنّ "هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية؛ أي أنّها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حقّ وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله."

تغييب الإنسان

تلك التصورات التي ترى أنّ الدولة تنبع من تصور ديني، وأنّها حين التزمت بذلك قدمت مثالاً لدولة العدل والثراء والرضا الإلهي، لا تجد سنداً لها، سوى بتزييف التاريخ وتطويع النصوص الدينية. وداخل تلك التصورات يستمر تغييب الإنسان، كما كان حاله في العصور الوسطى، التي لم يكن للمجموع دور في تغيير النظم السياسية، إلا من خلال توظيفهم في صراعات النخب.

الكاتب محمد الغيطاني لـ"حفريات": ممارسات الأمويين تجاه آل البيت دليل على زيف الراية التي رفعوها، ومثلهم العباسيون الذين اتخذوا من الإسلام شعاراً

وللقيام بهذه الأدوار تخلط التيارات الدينية بين ذاتها وبين الدين نفسه، فتعيد تنزيل الرسالة النبوية على نفسها، وتجعل الخطاب الإلهي في القرآن موجهاً إليها. يعبر سيد قطب عن ذلك، ويقول "ولكن الله - سبحانه - كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الحركي الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسدة للعقيدة".

وفي تلك الدولة المتخيلة، التي تراها التيارات الدينية وعلى رأسها الإخوان المسلمون، تصبح الأحداث التاريخية مثل الحرب تشريعات دينية، لتخلق أزمة التنظيمات المتطرفة الإرهابية، والتي تغذت على أفكار كهذه نتجت عن الجماعة. ولو قرأت تلك التيارات العلاقات الخارجية للدول في تاريخ المسلمين وفق سياق عصرها، ومن منطلق أنّ ذلك نتاج بشري في المقام الأول، وليس تشريعات دينية، لأمكن لها كسر العزلة الشعورية عن العالم، والأخذ بأدوات ومناهج التنمية والتقدم لتحقيق الحياة الكريمة والحرية للفرد، وفق رؤية واقعية تنطلق من واقع الاجتماع البشري، وليس من تخيلات مبنية على قراءات مجتزأة في كتب التراث، والأخيرة هي نتاج بشر وتحتاج لدرس منهجي موضوعي، لا التسليم بها كأنها تراث مقدس.

حركة التوسعات الإسلامية لم تكن غريبة عن سياق عصرها




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية