الصراع على إرث جورج أورويل بين اليمين واليسار

الصراع على إرث جورج أورويل بين اليمين واليسار

الصراع على إرث جورج أورويل بين اليمين واليسار


09/06/2024

ترجمة: محمد الدخاخني

الأدب تراثنا المشترك. لا تنتمي الكتب، ولا كتّابها، إلى أيّ شخص على وجه الخصوص - إنّها حُرّة في أن تُقرأ، ويُستمتَع بها، وتُفسّر من قِبل الجميع. ومع ذلك، فإنّ كلّ قارئ متعطّش يعرف الشّعور الذي ينتابه عندما يؤكّد حقّه في عمل ما - أو مجموعة أعمال - ثمّ يتلوى من اختلاسه أو إساءة استخدامه. بالنّسبة إلى اليسار، فإنّ قلّة من المؤلّفين تستدعي هذه الاستجابة بقدر جورج أورويل، الاشتراكيّ الدّيمقراطيّ - كما طرح نفسه - الذي تُستخدم كتبه بشكل روتينيّ لتقويض الرّؤية السّياسيّة التي ناضل حرفيّاً من أجلها.

أن تكون على اليسار وأن تُحبّ أورويل يعني أن تتحمّل المحاولات الانتهازيّة لمصادرة أعماله لأغراض رجعيّة. وعلى مدى الأعوام الخمسة والسّبعين الماضية، استمتع اليمين بنهب قبر أحد أعظم مبدعي اليسار. لكن من الصّعب، على سبيل المثال، استقبال أخبار ظهور كتب أورويل على قوائم ترشيحات اليمينيّ بن شابيرو والجماعة المحافظة «براغر يونيفرسيتي» من دون استياء.

مثير للجدل

بالطّبع، أورويل ليس بأيّ حال من الأحوال شخصيّة غير مثيرة للجدل بين الاشتراكيّين. كانت معارضته للستالينيّة جديرة بالثّناء، لكن قبيل وفاته، ذهب إلى حدّ كتابة قائمة لـ«قسم أبحاث المعلومات» البريطانيّ بأسماء الكتّاب والشّخصيّات الثّقافيّة التي اعتبرها متساهلة للغاية مع الشّيوعيّة بحيث لا يُبرّر توظيفها في الوكالة. ومع ذلك، في العام نفسه، استلقى أورويل على فراش الموت، وأخذ يكتب للصّحُف الأمريكيّة مدافعاً عن روايته الأخيرة، «1984»، من اختطافها من قِبل محاربي الحرب الباردة المتبرعمين الذين كانوا يقرؤونها على أنّها هجوم على الأفكار الاشتراكيّة. لو عاش أورويل بعد سنّ السّادسة والأربعين - كما يمكن للمرء أن يتخيّل - لكان دفاعه الشّجاع عن الرّواية، والتزامه المستمرّ والثّابت بالاشتراكيّة الدّيمقراطيّة، ربما أعاد تشكيل إرثه.

كانت معارضة أورويل للستالينيّة جديرة بالثّناء

لكن نِقاش نادي كِتاب «براغر يونيفرسيتي» المُحافِظ لـ«1984» يجعل فصلي الدّراسي في الصّف العاشر بالمدرسة العامّة، حيث قرأت الكتاب لأوّل مرّة، يبدو بقدر حنكة مناظرة ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي الشّهيرة. قدّم المُحافِظان ديف روبن ومايكل نولز بعض التّحليلات السّطحيّة المبتذلة، وامتدحا قدرة أورويل على التّفكير والكتابة بوضوح، لكنّهما لم يُظهِرا أيّ فضول بشأن أُسُس فكره. بالنّسبة إلى صبية «براغر»، تدور أحداث «1984» حول الحرّيّة و«ما يعنيه أن تكون إنساناً». هذا صحيح تماماً - لكن أورويل لم يكن، كما يزعمان، «فردانيّاً» بالمعنى التّحرّريّ للمصطلح. هذا هو صُلب فشل اليمين في فهم أورويل برمّته. من المؤكّد أنّ عمله يهتمُّ بالازدهار الفرديّ ومحاولات المجتمع لتقييده، لكنّ أورويل أعاد تأكيد إخلاصه للاشتراكيّة والنّزعة الجماعيّة الدّيمقراطيّتين في كلّ منعطف ممكن وبكلمات واضحة.

أن تُحبّ أورويل يعني أن تتحمّل المحاولات الانتهازيّة لمصادرة أعماله لأغراض رجعيّة. وعلى مدى الأعوام الخمسة والسّبعين الماضية، استمتع اليمين بنهب قبر أحد أعظم مبدعي اليسار

يربط روبن بحماسة وصف «1984» للرّقابة الحكوميّة التّوتاليتاريّة وإعادة كتابة الكتب بـ«الصّوابيّة السّياسيّة»، التي يَفترض أنّها حصريّة على اليسار. يُعرّفها بأنّها «معادية للإنسان بما أنّها أن ضدّ الفكر بهذا الشّكل». ربما كان الأمر كذلك، لكنّ نفاقه صارخ: لقد أشاد روبن بالمناورات السّياسيّة لحاكم فلوريدا، رون ديسانتيس، وجهوده في حظر الكتب. بغضّ النّظر عمّا كان ليكون عليه رأي أورويل في «ثقافة الإلغاء»، فإنّه بلا شك كان ليعارض بشدّة جهود ديسانتيس لقمع الأفكار الاشتراكيّة في مدارس فلوريدا العامّة.

يحاول شابيرو إخفاء الالتزامات السّياسيّة المُعلَنة لأورويل من خلال الادّعاء بأنّ المؤلّف «لم يفهم الاشتراكيّة على المستوى الاقتصاديّ». هذا النّقد محيّر، لأنّ أورويل لم يكن اقتصاديّاً - إنّ رواياته عبارة عن أعمال أدبيّة تتحدّث عن الأبعاد السّياسيّة للشّرط البشريّ، وليست أطروحات ماركسيّة حول عمل الأسواق. إنّ استبعاد سياسة أورويل على أساس أنّ عمله يتجاهل تقديم نظريّة اقتصاديّة موحّدة للملكيّة العامّة يُشبه الادّعاء بأنّ الكاتبة الأيرلنديّة سالي روني ليست يساريّة لأنّ رواياتها لا توضّح بشكل شامل نظريّة العمل للقيمة.

لوحة جدارية لجورج أورويل في ساوثولد، في مقاطعة سوفولك الإنجليزية. تصوير مارتن بيتيت

على الرّغم ممّا قيل، هناك الكثير من الأدلّة الموجودة في عمل أورويل على حنكة تفكيره السّياسيّ والاقتصاديّ. كان أورويل روائيّاً اعتذاريّاً: اشتُهر بأنّه كَرِه كتابين على الأقلّ من كتبه، وهما «دع الزنبقة تطير» و«ابنة القس»، وفكّر في وقف إعادة نشرهما. إنّهما ليسا ما يمكن أن أسمّيه قراءات ممتعة - والأمر نفسه ينطبق على «1984» - لكنّهما أفضل ممّا اعتقدَ مؤلّفهما، ومن الجدير الاهتمام بهما، خاصّة بالنّسبة إلى أولئك الذين على اليسار. فيهما، يُستهلَك أورويل بشكل إيجابيّ في قضايا اقتصاديّة (وهو نادراً ما لا يفعل ذلك). تنزعج شخصيّاته من وضعها الماليّ طوال الوقت. ويوضّح أورويل أنّه على الرّغم من أنّ ذلك لن يضمن السّعادة الكاملة، فإنّ ضغوط شخصيّاته النّفسيّة والجسديّة كانت لتكون أخفّ إلى حدّ كبير لو لم تكافح المشكلات النّاجمة عن الدّيون والدّخول المنخفضة. هذه نقطة فشلَ اليمين في فهمها: لا يمكن للمال أن يشتري لك السّعادة، لكنّه يمكن أن يساعدك، بالتّأكيد، في زيارة الطّبيب التّالية، ممّا يترك لك مزيداً من الحرّيّة في الاهتمام بمسائل الرّوح.

في مقالته الممتازة «هل يمكن للاشتراكيّين أن يكونوا سعداء؟»، يُحدّد أورويل جوانب من رؤيته للاشتراكيّة. بالنّسبة إليه، لا توجد مدينة فاضلة مطلقة. السّعادة الكاملة وحلّ جميع النّزاعات ليسا الهدف النّهائيّ للاشتراكيّة. يتساءل: «ما الذي نَهدِف إليه، إن لم يكن مجتمعاً تكون فيه الأعمال الخيريّة غير ضروريّة؟». ويواصل لوصف عالمٍ لا يحتاج فيه النّاس إلى معاناة لا نهاية لها من السُّل غير المعالج، وحيث لا يمكن تصوّر الدّخل غير المكتسب لـ«البخيل إبنزر». إذا كانت «1984» فَطِنة، فإنّ مقالات أورويل الواقعيّة خالدة بالقدر نفسه: كان ليكتب، أيضاً، عن ويلات الرّعاية الصّحّيّة الأمريكيّة وعدم المساواة في الدّخل في القرن الحادي والعشرين.

في مقالته «هل يمكن للاشتراكيّين أن يكونوا سعداء؟»، يُحدّد أورويل جوانب من رؤيته للاشتراكيّة. لا توجد مدينة فاضلة مطلقة. السّعادة الكاملة وحلّ جميع النّزاعات ليسا الهدف النّهائيّ للاشتراكيّة

جواهر التّاج عند اليسار عندما يتعلّق الأمر بأعمال أورويل هي جهوده الصّحافيّة الطّويلة: «متشرّداً في باريس ولندن»، و«الطّريق إلى رصيف ويغان»، و«تحيّة إلى كاتالونيا». وهذا الكتاب الأخير، وفقاً لنعوم تشومسكي، هو تحفته، وهو بالتّأكيد أحد أكثر الأعمال التي كُتبت في تغطية الحروب روعة على الإطلاق. و«متشرّداً في باريس ولندن» عبارة عن قراءة مجزية تقدّم حججاً قويّة لتحسين حياة الفقراء وسكّان الطّبقة العاملة في كلّ من المدينتين المذكورتين. وتنتقد «الطّريق إلى رصيف ويغان» ليبراليي الطّبقة الوسطى في منتصف الثّلاثينيّات من القرن العشرين في بريطانيا، حيث يواجه القارئ بالظّروف المروّعة للعمّال الصّناعيّين في شمال بريطانيا.

إذا كانت "1984" فَطِنة، فإنّ مقالات أورويل الواقعيّة خالدة بالقدر نفسه

انتقد أورويل بشدّة العديد من عناصر اليسار. وفي الوقت نفسه الذي دعا فيه الدّولة إلى الإشراف على إنتاج وتوزيع المواد الغذائيّة، حذّر من كيفيّة إساءة استخدام هذه السّلطة. تلك الانتقادات هديّة للاشتراكيّين الدّيمقراطيّين المعاصرين في سعيهم لبناء حركة تتجنّب تكرار أخطاء الماضي، ولكنّها، أيضاً، سهّلت على اليمين الاستيلاء على إرثه. ومع ذلك، فإنّ حنكة أورويل واهتمامه بالتّناقضات السّياسيّة هو ما يجعل إرثه يستحقّ الصّراع من أجله.

مرّة أخرى، أورويل ليس مؤلفاً سهل القراءة. «1984» قاتمة. ورواياته المبكّرة مُجهِدة. وإذا كنتَ، مثلي، تجرؤ على قراءة مذكّراته، فاستعدّ لمئات الصّفحات التي توضّح بشكل مُفصّل الطّقس الكئيب ورتابة حديقته الإنجليزيّة. هناك العديد من التّناقضات في مجموعة أعماله، ولكن هناك شيء واحد واضح: لم يتزعزع قطّ في تمسكّه بمبادئ الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة.

لم يكن أورويل فردانيّاً بالمعنى التّحرّري؛ بل شديد البُعد عن ذلك. وقد كتب في مقاله عن السّعادة أنّ «الهدف الحقيقيّ للاشتراكيّة هو الأخوة البشريّة». يعرف أيّ شخص لديه أشقاء أنّه يتعيّن عليك، أحياناً، مصارعتهم، والصّراخ فيهم، وأخذ ألعابهم لشرح الاستخدام الصّحيح لها. كانت انتقاداته لعناصر يساريّة مختلفة مسألة عائليّة. وعندما يحاول الرّجعيون نهب ميراث عائلتنا، فليس لدينا خيار سوى المطالبة بإرثه.

حنكة أورويل واهتمامه بالتّناقضات السّياسيّة هو ما يجعل إرثه يستحقّ الصّراع من أجله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

شاندلر داندردج، جاكوبين، 12 شباط (فبراير) 2023



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية