بين الهداية والوصاية... لماذا يتدخل الإسلاميون في شؤون غيرهم؟

بين الهداية والوصاية... لماذا يتدخل الإسلاميون في شؤون غيرهم

بين الهداية والوصاية... لماذا يتدخل الإسلاميون في شؤون غيرهم؟


11/06/2024

يتسم المجتمع المصري، كأيّ مجتمع آخر، بعدد من السمات التي تميزه، ومن بين هذه السمات ضيق مساحة الخصوصية التي يتمتع بها الأفراد في المجتمع، حيث يرى كل فرد أنّ من حقه التدخل في شؤون غيره الخاصة وفرض تصوراته وقناعاته على الآخرين. ومع المدّ السلفي الذي تزايد خلال النصف الثاني من القرن الـ (20)، ونتيجة للخطاب الديني المتأثر به؛ أخذت هذه السمة في الازدياد، وترسخت بصورة أكبر، وأخذت عمقاً دينياً جعل ذلك التدخل وفرض الرؤى والقناعات على الآخرين أمراً مقبولاً بل واجباً، وصار الأمر غير مقتصر فقط على الأفراد المنتمين للتيار الإسلامي، ولكنّه أصبح يمثل نمطاً من التفكير والسلوك يتميز به عدد كبير من الأفراد المتأثرين بهذا الخطاب، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومع تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأعوام الأخيرة باتت هذه الظاهرة أكثر وضوحاً وإزعاجاً في الوقت ذاته، حيث نجد في الكثير من المواقف تعليقات وكتابات لمستخدمي هذه الوسائل حول أخبار وأحداث وأفكار وآراء لآخرين تعكس تدخلاً فجّاً في حياتهم الخاصة وأفكارهم وآرائهم.

فما الذي ينطلق منه ويستند إليه الخطاب الديني السلفي للتدخل في حياة الآخرين وشؤونهم الخاصة تصل إلى حدّ الإيذاء المعنوي في أحيان كثيرة، وهل يعطي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" سلطة لمن يمارسه تمنحه الحق في ذلك، وهل ثمّة تغيرات حدثت في الأعوام الأخيرة جعلت هذا الأمر أقلّ قبولاً عن ذي قبل من جانب شريحة من المجتمع؟

حماة الإسلام وحراس العقيدة!

هناك عدد من المنطلقات التي تحدد ممارسات المنتمين للتيار الإسلامي، ونتيجة لقدرة هذا التيار على التأثير في المجتمع؛ فإنّ تلك المنطلقات والممارسات تحولت إلى نمط من الثقافة أصبح سائداً لدى شريحة كبيرة من المجتمع، ويمكن من خلال تلك المنطلقات تفسير سلوك التدخل في شؤون الآخرين وممارسات الوصاية التي يمارسها هذا التيار والمتأثرون بخطابه على الناس.

مع المدّ السلفي الذي تزايد خلال النصف الثاني من القرن الـ (20)، ونتيجة للخطاب الديني المتأثر به؛ أخذت هذه السمة في الازدياد

ومن هذه المنطلقات أنّ التيار الإسلامي يعيش دائماً داخل دائرة من الخوف والشعور بالخطر والتهديد على الدين، وتصور أنّ كل سلوك أو فكر إنّما ينبع عن مؤامرة ضد الدين تستهدف القضاء عليه، وربما كان للسياق الذي ظهرت فيه جماعة الإخوان، كأول حركة إسلامية في القرن الـ (20)، دور في ذلك، والذي تمثل في سقوط الخلافة العثمانية واحتلال العديد من الدول الإسلامية وتأثر المجتمعات العربية بالثقافة الغربية، بجانب تلك الفجوة الحضارية بين المسلمين والغرب التي رسخت شعوراً مستمراً بالضعف، وبسبب استمرار المجتمع المصري في حالة من التراجع الحضاري لأعوام، كالعديد من المجتمعات العربية الأخرى، استمرت تلك الحالة مسيطرة؛ ممّا أدى إلى نوع من التقوقع والانغلاق على الذات لدى كل المنتمين للتيار الإسلامي بمكوناته وتياراته التي ظهرت خلال القرن الـ (20)، ومن ثم أدت تلك الحالة من الشعور بالخوف والتهديد تجاه الدين إلى رؤية التيار الإسلامي بأنّه هو الحارس للدين المدافع عنه تجاه أعدائه، وهو هنا يوسع من دائرة الأعداء لتشمل كلّ من يقدّم طرحاً فكرياً مخالفاً لما يؤمن به.

من سلبيات ممارسة بعض الجماعات الإسلامية سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق رؤيتها يزيد حدة العنف والكراهية والانقسام في المجتمع  

وكان الشيخ عبد الحميد كشك، وهو من رموز فترة "الصحوة الإسلامية" في السبعينيات وما بعدها، يعبّر عن هذا المعنى في خطبه دائماً حين يصف به جمهوره من الإسلاميين قائلاً: "يا حُماة الدين وحرّاس العقيدة"، وهذه الجملة، وإن كانت تبدو كصيغة مبالغة تهدف إلى إلهاب الحماس في نفوس السامعين، إلّا أنّها في الحقيقة تعبّر عن رؤية التيار الإسلامي، بكل مكوناته، لنفسه وللدور الذي هو منوط به من وجهة نظره، حيث يعتقد أنّه يقوم بدور المخلّص الذي سيحرر البلاد ويعيد الناس إلى الدين الذي ابتعدوا عنه، ولا يفهمونه بشكل صحيح، ويجمعهم تحت مظلة الخلافة مرة أخرى، ومن ثم يرى هذا التيار أنّ عليه القيام بنوع من الوصاية على المجتمع تسمح له بالتدخل في شؤون أفراده وفرض قناعاته عليهم، لأنّها من وجهة نظره تمثل الإسلام الصحيح، وتسمح له كذلك بممارسة كل أنواع التشويه والإيذاء والسخرية ممّن لا يلتزمون بالدين كما يراه هو.

ونتيجة لهذا المنطلق، يرى التيار الإسلامي أنّ كل فرد مسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بصورة لا تجعل منه وسيلة "للهداية" ودلالة الناس على الخير بشكل عام، ولكن بصورة تجعل منه "سلطة" تمنح القائم بها حق التدخل في شؤون الآخرين والتحكم في ممارساتهم واختياراتهم وأفكارهم، ليس فقط بمجرد البيان والتوضيح، ولكن بالسخرية والتشويه والسب وانتهاك الأعراض، انطلاقاً من قناعة بأنّ المجتمع بعيد عن الإسلام، وأنّ تلك الجماعات هي التي تفهم الإسلام على وجهه الصحيح، وانطلاقاً كذلك من سعيهم لإيجاد مجتمع مسلم وإقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة كما يفهمونها، وفق نموذج مثالي متخيل لتلك الدولة، ومن ثم أصبح هناك خلط بين المساحة الشخصية للفرد والتي من حقه أن يطبق فيها ما يرى من قناعات وما يؤمن به من أفكار، وبين مساحة الآخرين الشخصية التي لهم فيها الحق نفسه كذلك، لكنّ الجماعات الدينية جعلت هذه المساحة مستباحة طالما لا تتفق مع قناعاتها.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشكاليات الممارسة

ينطلق الخطاب السلفي من أنّ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فرض على كل مسلم، حتى وإن كان لا يملك الإمكانات المعرفية التي تؤهله لذلك، فالجميع يجب عليه ممارسة هذا الأمر، حسب إمكانات واستطاعة كلّ منهم، ويسوق العديد من النصوص للدلالة على ذلك، لكنّ هذا الأمر يثير بعض الإشكاليات ويفرض العديد من الأسئلة؛ فأوّل إشكالية تدور حول سؤال: بماذا يأمر الفرد، وعن ماذا ينهى؟ بمعنى هل هناك نموذج محدد ونسخة واحدة للدين يتم تطبيقها بشكل واضح، أم أنّ الواقع يقول إنّ الغالبية من القضايا تختلف فيها الآراء الفقهية، فضلاً عن تلك الأمور المستجدة التي هي بحاجة إلى اجتهاد جديد؟ فهذه الجماعات لا تستطيع التفرقة بين الدين المتمثل في النصوص، وبين الفكر الديني المتمثل في فهم وتفسير النصوص، ومن ثم فهي تعتقد أنّ ما تراه هو الدين، وبالتالي يجب أن يلتزم الجميع برؤيتها هي فقط، والأزمة أيضاً هي أنّ تلك الجماعات غير متفقة على فهم واحد للدين، ولا رأي واحد بشأن العديد من الأمور، فما تراه جماعة ما معروفاً، قد تراه أخرى منكراً!

 التيار الإسلامي يعيش دائماً داخل دائرة من الخوف والشعور بالخطر والتهديد على الدين

الإشكالية الأخرى تتعلق بأنّ إطلاق الأمر بهذا الشكل، وإعطاء بل وفرض ممارسة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" على كل الناس ليمارسوه في أيّ مكان وأيّ وقت وليس من خلال فقط أشخاص مؤهلين لذلك يقومون به من خلال منافذ دعوية أو تعليمية والحديث عمّا يرونه معروفاً أو منكراً بشكل عام دون شخصنة وحديث عن أفراد بذواتهم؛ يجعل الأمر يتحول إلى فوضى، ويفتح باباً للتدخل في حياة الآخرين وانتهاك خصوصياتهم بشكل كبير، خاصة إذا تمّت ممارسته بصورة فيها اعتداء على الأفراد وتشويههم وإهانتهم والسخرية منهم، وإشكالية أخرى تتعلق بتحديد مفهومي "المعروف والمنكر"، هل هما مرادفان لمفهومي الحلال والحرام، أم أنّهما مفهومان أوسع من ذلك، بحيث يشمل المعروف كل ما هو صالح ومفيد في حياة الناس، فيصبح المعروف مرادفاً للخير، والمنكر مرادفاً للشر؟ وبالتالي لا تكون صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منحصرة فقط في الحديث عن الحجاب والنقاب والاختلاط ومعاملة البنوك... إلخ من الموضوعات التي يركز عليها الخطاب السلفي، ويصبح كل دلالة على الخير وكل عمل نافع يعود بالمصلحة على المجتمع وكل ما يساهم في تنمية البشر وإصلاح أحوالهم وإزالة الأذى والضرر عنهم ورفع الجهل يدخل في باب المعروف والمنكر.

الإشكالية الأخرى تتعلق بأنّ ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا الشكل ينتج عنها العديد من السلبيات؛ منها زيادة حدة العنف في المجتمع، كما حدث من قبل في فترة السبعينيات وحتى التسعينيات، حين مارست بعض الجماعات الإسلامية هذه السلطة من خلال تغيير "المنكر" وإقامة "المعروف" باليد، كما زادت حالة الكراهية والانقسام في المجتمع نتيجة تصنيف الناس حسب من يتوافق مع رؤية الفرد للمعروف والمنكر. 

سامح عسكر: الإسلاميون يأخذون فكرتهم عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من السلطتين الدينيتين العباسية والمملوكية، ففي خلال تلك الفترة وضع الفقهاء فقه "السياسة الشرعية"

وعلى جانب آخر، فإنّ هناك عقبات أمام سلطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وما تنتجه من ثقافة التدخل في شؤون الآخرين، وهذه العقبات تتمثل في بعض التغيرات التي حدثت في المجتمع في الأعوام الأخيرة، ومنها زيادة درجة الوعي بعدد من القضايا، ومنها المتعلقة بالفكر الديني والجماعات الإسلامية، حيث ساهم "الربيع العربي" وتجربة التيار الإسلامي في الحكم والعمل العام في كشف الغطاء عن الكثير ممّا كان مستتراً من عيوب تخص أفكار وممارسات ذلك التيار، وعزز من ذلك التقدم التكنولوجي وأدوات الاتصال وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي أدى إلى انتشار الكتابات الناقدة في هذا الشأن، وزيادة النقاشات على وسائل التواصل حول العديد من هذه القضايا الخاصة به، ومن بين العقبات أيضاً تنامي النزعة الفردية في المجتمع؛ كل هذا أصبح يمثل عقبة أمام "سلطة" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لم يعد الكثير يتقبلون فكرة التدخل في أفكارهم وآرائهم وشأنهم الخاص، كما كان الأمر قبل ذلك.

سامح عسكر: الإسلاميون يأخذون فكرتهم عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من السلطتين الدينيتين العباسية والمملوكية

ويُعلق الباحث سامح عسكر في تصريح لـ (حفريات) على هذا الأمر قائلاً: "الإسلاميون يأخذون فكرتهم عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من السلطتين الدينيتين العباسية والمملوكية، ففي خلال تلك الفترة وضع الفقهاء فقه "السياسة الشرعية"، وصنّف فيه العديد من الكتب، ومن ضمن أبواب هذه السياسة ما يُسمّى "سلطة المحتسب" التي جرى تفسيرها بإطار مذهبي، فالأمر بالمعروف يعني الأمر بحلال وواجبات المذهب وإجبار الناس على ذلك، بينما النهي عن المنكر يعني النهي عن حرام المذهب وإجبار الناس على ذلك، بينما القرآن الكريم لم يتناول فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الصورة، فالملاحظ أنّ الله، عز وجل، ذكر هذا الأمر والنهي في سياق مختلف وهو (فعل الخيرات) (والنهي عن الشرور)، وذكر أيضاً الأمر بالحريات وصلة الرحم والعدل والإحسان والدعوة للتيسير والتسهيل على الناس والنهي عن الاعتداء، في سياق الدعوة للخيرات والعمل الصالح، ونُلاحظ من ذلك أنّ كلمة المنكر هي ما أجمع البشر على إنكاره، والمعروف العكس، أي ما أجمع البشر على الإيمان به، فالناس تعارفت على حبّ الخير والإحسان والعدل والصدق، فهذا هو المعروف الواجب تتبعه والحضّ عليه، بينما أنكرت الشر والظلم والاعتداء والكذب... إلخ، فهذا هو المنكر الواجب تتبعه والنهي عنه".

مواضيع ذات صلة:

ألسنة حداد... لماذا يواجه الإسلاميون مخالفيهم بالسب والتشويه؟

الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار

لماذا يهتم الإسلاميون بقضايا الهوية على حساب التنمية والديمقراطية؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية