لماذا لا يتخلى الإخوان عن الإخوانية؟

لماذا لا يتخلى الإخوان عن الإخوانية؟

لماذا لا يتخلى الإخوان عن الإخوانية؟


15/01/2024

(100) عام، وأكثر قليلاً، والإخوان المسلمون يعتبرون أنفسهم شركاء أساسيين في السياسة، قبل الدعوة، وباستثناء عدد من بدايات الأعوام التي كانوا فيها فريسة للسجون والمعتقلات والملاحقات، بدؤوا بقطف ثمار السياسة، وجني غنائمها، وتحولت شيئاً فشيئاً الإخوانية إلى كيان سياسي، أكثر بكثير من كونها جماعة دعوة وإرشاد، وصنعت إيديولوجيتها من الأفكار الكبرى التي أدركوا أنّهم لا سبيل لهم إلى المجتمع والناس إلّا من خلالها، لأنّها الوعاء الكبير الذي تنصهر فيه وجدانات الناس وعاطفة المسلمين الدينية، وهي الأفكار التي تحرك المجتمعات وتوجهها وتجعلها أكثر انقياداً وطواعية.

ينخرط كثير من الباحثين في دراسة أسباب ثبات الإخوان وبقائهم رغم أعوام من المعاناة والمحن والفتن -حسب التعبيرات المستحسنة للإخوان المسلمين بأنّ ما يتعرضون له امتحان وابتلاء وفتن- تستلزم بطبيعة الحال الصبر والثبات، لأنّهم ربطوا بينها وبين بدايات تشكل الدعوة الإسلامية في مكة والمدينة وما تعرّض له النبي الكريم والصحابة والمسلمون على مرّ الأعوام من شدة الابتلاء وقوة الفتن، وهكذا ثبَّتوا في نفوس القواعد الإخوانية فكرة الثبات وعدم الانهزام، بل وعدم التفكير إلا في الثبات، كما لو أنّ الإخوان هم الإسلام.

تعلم الإخوان أنّهم هم الكيان الوحيد الصادق في إيمانه وانتمائه، وأنّ ما سواهم من تيارات وجمعيات وكيانات سياسية ودعوية، إمّا مصابة بفكرتها وتجردها، وإمّا مصابة بإخلاصها

ويقول بعض الباحثين: إنّ سرّ ثبات الإخوان على الإخوانية هو الفكرة، وقوة هذه الفكرة في قدرتها على الدعوة إليها والإقناع العام بها، وإخلاص أصحابها لها، ومن أهم ما يستوقفنا هنا قدرة الفكرة على الإقناع، ليس لأنّها فكرة لا تحتمل الشك، بل لأنّهم جعلوا الإسلام عموماً هو الفكرة، ووظفوا العاطفة الدينية والوجدان الديني باتجاه خدمة أغراض وأهداف وغايات الفكرة التي تحولت شيئاً فشيئاً إلى إيديولوجيا، ومن شأن الإيديولوجيا أن تحيط نفسها بهالة قوية من الحصانة والقداسة، الأمر الذي رأت فيه قيادات الإخوان أنّ هذه القداسة فكرة ثمينة ومهمة لبقاء وإدامة ولاء الأتباع.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنّ حالة التأسيس لخطاب داخلي قائم على فكرة تقديس الرموز الإخوانية وأسطرتها، هو جزء من تصليب القواعد باتجاه بناء القناعة والعقيدة الإخوانية، وباتجاه ضمان السمع والطاعة وعدم المخالفة إلى ما لا ترغب به القيادة، لذلك بقيت قيادات الإخوان فوق اعتبارات النقد، ولا تخضع حتى لقواعد الاختيار الديمقراطي أو الشورى، وتبقى ما شاء لها القدر أن تبقى دون أن تفقد رمزيتها.

ويورد الباحث بابكر فيصل في مقال له في (الحرة) قصة تشبه قصة سيد قطب حين كان في المستشفى في أمريكا وسمع احتفالات الأمريكيين باغتيال حسن البنا، فبدأت من هذه الحادثة حياة سيد قطب تتجه نحو الإخوان، يورد بابكر فيصل أنّه في 28 آب (أغسطس) 2016 كتب الناشط الإخواني أحمد مطر (يُعرِّف نفسه برئيس المركز العربي للدراسات الاقتصادية ونائب رئيس المنتدى الدولي للأعمال) في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) القصة التالية بمناسبة مرور (60) عاماً على إعدام سيد قطب:

"في مثل هذا اليوم من (50) عاماً فوجئ المهندس التركي نجم الدين أربكان باحتفالات في ألمانيا، سأل عن سببها، فأجابوه تم اليوم إعدام إرهابي في مصر اسمه سيد قطب، فسأل عن كتبه وأحضرها جميعاً وقرأها، فاقتنع بالفكر وتبنّى الفكرة، وكانت بداية ولادة الحركة الإسلامية في تركيا، وأصبح تلاميذه رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان والحزب الحاكم".

وهكذا تستمر صناعة الأسطورة بالمحتوى نفسه مع اختلاف الأشخاص. انتهى كلام بابكر فيصل، وعلى هذا النحو في إحدى محافظات الأردن، وفي احتفالية إخوانية، يكيل مقدم الحفل أكواماً من المديح والإطراء لشخصية إخوانية، واصفاً إيّاه بالمجاهد والمناضل، ولعل كل ما أنجزه أنّه فقط بقي إخوانياً طيلة أعوام كثيرة حتى أصبح قيادياً بارزاً، بلا أيّ أوسمة من معارك الجهاد وحروب النضال. وهكذا في كل مرحلة من المراحل يتم صناعة شخصيات ذات صيغة رمزية وأسطورية، لتعبئة الفراغات التي قد تنشأ في وجدان الأتباع.

لم يؤمن الإخوان بالمشاركة السياسية، لذلك إن تخلوا عن الإخوانيّة كفكرة ومنهج، فلن تكون لديهم القدرة على إعادة إنتاج أنفسهم كسياسيين بعيداً عن عمائم الدعاة وأوشحة القضاة

لم يتعلم الإخوان المسلمون أنّهم جزء بسيط من المسلمين ومن حراك المسلمين الديني وحتى السياسي، وأنّ هناك من هم مثلهم يعملون للإسلام والقيم ويدعون للفضيلة والأخلاق، بل تعلموا أنّهم هم الكيان الوحيد الصادق في إيمانه وانتمائه، وأنّ ما سواهم من تيارات وجمعيات وكيانات سياسية ودعوية، إمّا مصابة بفكرتها وتجردها، وإمّا مصابة بإخلاصها، وإمّا أنّها مصابة بحظوظ النفس ومغانم الدنيا وأمراض السياسة وملوثة بالغايات الرخيصة والأهداف الدنيوية، لذلك من الصعب عليهم أن يتخلوا عن هذه القناعة وأن يبحثوا عن غيرها، بما أنّ كل ما هو غيرها محل شك. ومن الصعب جداً عليهم أن يخرجوا من الإخوان المسلمين وقد تلقنوا دروساً في أنّ الخروج عن الطاعة معصية، وأنّ الارتداد عن الإخوان يشبه الردة في الدين.

كلّ هذه القيم الرمزية والأسطورية، وبعد أعوام معاناة التأسيس وعذابات السجون، وبعد أن بدؤوا يقطفون  الثمار، هل من الممكن أن تتخلى قيادات الإخوان عن الإخوانيّة؟ إنّهم شكل من أشكال الملالي الذين وجدوا في العمامة مكانة في السياسة والحكم، لو نزعوها، لنزعتهم قواعدهم التي أنشؤوها على فكرة توثين الشخصيات وتصنيمها بالشكل المعاصر للتصنيم والتوثين.

لم يؤمن الإخوان بالمشاركة السياسية، لذلك إن تخلوا عن الإخوانيّة كفكرة ومنهج، فلن تكون لديهم القدرة على إعادة إنتاج أنفسهم كسياسيين بعيداً عن عمائم الدعاة وأوشحة القضاة، ولأنّهم مارسوا إقصاء الآخر وعدم الاعتراف به، فإنّهم سيجدون أنفسهم فريسة الإقصاء والتهميش، لذلك من الصعب أن يتخلوا عن الإخوانيّة، وهم مقتنعون أيضاً بأنّهم التيار الأكثر جماهيرية، وأنّ هناك من يرونهم أمل الأمّة، وأكثر الفاعلين إيماناً بالحرية، والأكثر قدرة على التضحية.

مواضيع ذات صلة:

خطاب المظلومية لدى الإخوان المسلمين..محمد قطب نموذجاً

نظرة الدودة ونظرية البيضة في بناء دولة الإخوان

الإخوان المسلمون والاعتدال الزائف




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية