كيف سيعيش إرث غورباتشوف معنا رغم موته؟

كيف سيعيش إرث غورباتشوف معنا رغم موته؟


07/09/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

مع وفاة ميخائيل غورباتشوف، كان على النَّعَايَا أن تُلخّص تأثير رجل قاد قوّةً عظمى وأعاد تشكيل العالم. في طبيعة الحال، مالت النَّعَايَا إلى التّركيز على نجاحه في إنهاء الحرب الباردة وفشله في توحيد اتّحاد سوفيتيّ شبه مُلبرَل، لكنّ القصص المتعلّقة بسقوط جدار برلين والمعاهدات الرّئيسة للحدّ من التّسلّح هي في الحقيقة قصّة الحرب الباردة في الغرب.

ترك غورباتشوف مجموعة منفصلة من الإِرث في آسيا، والتي يمكن القول إنّها استمرّت لفترة أطول، لكنّها لم تقصّ بالحجم نفسه قطّ، ربما لأنّه لا يمكن وصفها إلّا من منظور السّياسة الواقعيّة البراغماتيّة وليس المثاليّة المحلّقة. ربما يكون هذا هو السّبب، أيضاً، في وجود اعتراف أقلّ بمدى استمرار سياسات غورباتشوف في تشكيل المنطقة، أو كيف نجت أهدافه في آسيا في السّياسة الخارجيّة وانتقلت لخليفته فلاديمير بوتين.

مهمّة غورباتشوف

من الجدير بالذّكر أنّ مهمّة غورباتشوف الرّئيسة، عندما أصبح أميناً عامّاً للحزب الشّيوعيّ للاتّحاد السّوفيتيّ، عام 1985، تمثّلت في إعادة تحفيز الاقتصاد الوطنيّ الرّاكد بشكل متزايد، وكان قد أصبح من المقبول بشكل متزايد بين نُخبة الحزب أنّ الاتّحاد لا يستطيع أن يُخرِج نفسه من الحفرة بمفرده؛ أنّه بحاجة إلى تعاون الاقتصادات الصّناعيّة الرّاسخة في الغرب وكذلك الاقتصادات الصّاعدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لكن بُغية فتح تدفّقات التّجارة والتّكنولوجيا، يجب إنهاء الصّراعات السّاخنة للحرب الباردة.

كان الاتحاد السوفيتي متورطاً في نزاع دام تسع سنوات في أفغانستان قبل أن يسحب قواته ابتداءً من عام 1988

كانت رؤية نهاية للاحتلال السّوفيتيّ لأفغانستان على رأس قوائم كلّ من الولايات المتّحدة والصّين، أكبر وأشرس خصمين لموسكو، في غضون عام من وصوله إلى السّلطة، كان غورباتشوف يصف الحرب الأفغانيّة بأنّها "جرح دمويّ"، وأشار إلى أنّ موسكو يجب أن تخرج في أسرع وقت ممكن.

من الجدير بالذّكر أنّ مهمّة غورباتشوف الرّئيسة، عندما أصبح أميناً عامّاً للحزب الشّيوعيّ للاتّحاد السّوفيتيّ، عام 1985، تمثّلت في إعادة تحفيز الاقتصاد الوطنيّ الرّاكد بشكل متزايد

بحلول عام 1989، كان غورباتشوف قد أنجز تلك الحيلة الصّعبة، مُمهِّداً الطّريق لعلاقات دافئة بشكل متزايد مع واشنطن وتقارب كامل مع بكين، وبحلول عام 1990، كان غورباتشوف يبيع طائرة مقاتلة متطوّرة من طراز "إس يو-27" متعدّدة الأدوار إلى الصّين، العدوّ السّابق للاتّحاد السّوفيتيّ، وقد استمرّ هذا النّمط من مبيعات الأسلحة والتّعاون العسكريّ بين موسكو وبكين منذ ذلك الحين وأصبح أكثر حميميّة بشكل مطّرد.

معضلة أفغانستان

لطالما أَمِلَت الهند في التّوصّل إلى تسوية تفاوضيّة بشأن أفغانستان، وانسحاب سوفيتيّ، من أجل وضع حدّ للمساعدات العسكريّة الأمريكيّة رفيعة المستوى لباكستان، الدّولة الجديدة التي تقع على خطّ المواجهة، لكن بحلول الوقت الذي توصّل فيه السّوفييت إلى اتّفاق مع باكستان، تحوّلت مخاوف الهند بشكل كبير. كان مصدر قلق الهند الرّئيس الآن أن يحلّ المتطرّفون محلّ الشّيوعيّين في كابول، ويصدّرون أيديولوجيتهم عبر باكستان إلى الهند، خاصّة كشمير، وقد ثبت أنّ هذا الخوف، على الأقلّ من وجهة نظر المؤسّسة الهنديّة، له بصيرة واستمراريّة، بالنّظر إلى أنّ الصّراعات نفسها مستمرّة حتّى اليوم، لكنّ غورباتشوف ظلّ غير متأثّر بدعوات رئيس الوزراء الهنديّ آنذاك، راجيف غاندي، العامّة والخاصّة، للقيام بشيء ما في هذا الصّدد. في الواقع، شرعت المخابرات السّوفيتيّة في تمويل مجموعات من المجاهدين لحماية مصالحها من جماعات أخرى أكثر راديكاليّة.

كانت فترة حكم غورباتشوف ستة أعوام وجيزة، ومع ذلك كانت التحولات التي أشرف عليها أساسيّة للغاية لدرجة أنّنا ما نزال نعيش معها بعد أكثر من 30 عاماً

ومع ذلك، حظيت الهند بمعاملة خاصّة بطرق أخرى؛ فمنذ الانسحاب البريطانيّ من المحيط الهنديّ، عام 1971، كانت الهند مصمّمة على ترسيخ مكانتها بوصفها قوّة إقليميّة، واعتمدت بشدّة على الأسلحة المدعومة التي قدّمها الاتّحاد السّوفيتيّ لتوسيع قدراتها العسكريّة بسرعة.

كان اتّحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية سعيداً جدّاً للمساعدة، بالتّالي، إضعاف نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة. واستجابةً لقائمة تسوّق نيودلهي، أصرّ غورباتشوف على جعل الأسلحة الأكثر تطوّراً، وغير المتوافّرة من أيّ مصدرٍ آخر، متوافرة بأسعار منخفضة، وفي حدث عالميّ هو الأوّل من نوعه، تحوّل هذا إلى اهتمام مهيمن داخل المكتب السّياسيّ للحزب الشّيوعيّ وامتدّ إلى تأجير غواصة صاروخيّة تعمل بالطّاقة النّوويّة من طراز "كروز" للهند.

نهاية الحرب الباردة

ومع ذلك، مع نهاية الحرب الباردة ومواجهة صعوبات اقتصاديّة متزايدة، لم تفتقر موسكو فقط إلى الحوافز لإنفاق مثل هذه المبالغ الضّخمة للتّنافس مع واشنطن في المحيط الهنديّ البعيد، بل بدأت في رؤية مبيعات الأسلحة بوصفها مصدراً حيويّاً للإيرادات. استمرّت مبيعات الأسلحة إلى الهند، لكنّها اتّخذت الآن صبغة تجاريّة ومصلحيّة وليس جيوسياسيّة، وسُرعان ما وضعت الصّدمة المرتبطة برفع أسعار الأسلحة نهايةً حادّةً للتّوسّع الطّموح للقوّات الجويّة والبحريّة الهنديّة. بينما ازدهر النّفوذ الاقتصاديّ والدّبلوماسيّ للهند في العقود التي تلت ذلك، لم تسترد ميزتها العسكريّة في المنطقة عافيتها قطّ.

ميخائيل غورباتشوف مع دنغ شياو بينغ، الزعيم الصيني الأعلى، في بكين عام 1989

تمثّلت رؤية غورباتشوف، الأكثر طموحاً على الإطلاق في نظام أمن جماعيّ لآسيا، يشمل موسكو وبكين ونيودلهي، ويعمل على حلّ النّزاعات الإقليميّة ومنع اللجوء إلى قوى "خارجيّة"، مثل الولايات المتّحدة، وهذه فكرة حاول بوتين مراراً وتكراراً طرحها عدّة مرات في الأعوام التي تلت ذلك.

لسوء الحظّ، لم يكن هناك هدف مشترك منطقيّ بالنّسبة إلى البلدان الثّلاثة في ذلك الوقت أو الآن؛ فعلاقة الهند والصّين الصّعبة لم تصبح كذلك بفعل الحرب الباردة؛ لذلك فإنّ نهاية الحرب لم تنجم عنها مصالحة، وعلى الرّغم من الأمنيّات الطّيبة، لم يكن غورباتشوف قادراً على إيجاد علاقة تآزريّة أعمق وذات استدامة ذاتيّة من النّاحية الجيوسياسيّة أو الاقتصاديّة مع الهند، كما لم يقدر خلفاؤه على ذلك، ومع ذلك، يبدو أنّ الجانبَين لم يتوقّفا قطّ عن البحث، مفتونين بالإمكانيّات ورضا التّقدير المتبادل البسيط.

من المفارقات أنّ العمل الجادّ الذي قام به غورباتشوف لإنهاء الحرب الباردة في الغرب منح الهند فرصةً لإعادة ضبط علاقتها بالولايات المتّحدة، بدأت عقود من الشّكّ والاستياء تتلاشى ببطء عندما أعادت الهند تنظيم اقتصادها مع العالم الرّأسمالي، والنّظر إلى الوراء منذ ذلك الحين شيء نادر.

كانت فترة حكم غورباتشوف ستة أعوام وجيزة، ومع ذلك كانت التحولات التي أشرف عليها أساسيّة للغاية لدرجة أنّنا ما نزال نعيش معها بعد أكثر من 30 عاماً، ومن غير المرجّح أن تعني وفاته أنّ النظام الجديد الذي ظهر سوف يختفي من المشهد.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

جوهان تشاكو، ذي ناشونال، 2 أيلول (سبتمبر) 2022

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2022/09/02/gorbachev-will-continue-to-shape-asia-long-after-his-death/

الصفحة الرئيسية