مفهوم الدولة عند حسن البنا.. هل يريدها مدنية أم دينية؟

مفهوم الدولة عند حسن البنا.. هل كانت مدنية أم دينية؟

مفهوم الدولة عند حسن البنا.. هل يريدها مدنية أم دينية؟


30/05/2024

يمثل الوصول إلى السلطة بالنسبة لجماعة الإخوان هدفاً رئيسياً، وتتخذ قضية الحكم مكانة مركزية في عقلها، ويعد تصور الجماعة عن الدولة أحد التصورات والمفاهيم الملتبسة الذي نتج عنه دخولها في صدامات متكررة مع الدولة المصرية وفي حدوث العديد من الأزمات التي تمر بها الجماعة منذ نشأتها، فمن أجل الوصول إلى الحكم والاستحواذ على السلطة دخلت الجماعة في صراعات مستمرة وعلى عدة مستويات وقبلت التضحية بكل ما تملك، بل وأحياناً، بمصلحة المجتمع كله إذا اقتضى الأمر في سبيل الوصول لذلك الهدف، حيث تعتبر أن في الوصول إلى الحكم سبيلاً لإقامة الدين وأنه بمثابة العصا السحرية التي سيتغير بها حال المجتمع والأمة جميعاً، وقد صاغ البنا مؤسس الجماعة ذلك التصور عن الدولة ومقوماتها والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها، فكيف كان مفهوم البنا عن الدولة، وكيف كان سبباً في صناعة واقع الجماعة المأزوم؟
مفهوم الدولة كما صاغه البنا
ينطلق البنا في رؤيته لمفهوم الدولة من مفهوم شمولية الإسلام؛ فهو يرى أنّ الإسلام دين شامل لا يقتصر على علاقة الإنسان بربه عبر أداء بعض الشعائر والعبادات، وإنما جاء لينظم جوانب الحياة جميعاً، وتبعاً لذلك فهو يرى أنه لا بد من قيام دولة وسلطة سياسية تطبق الدين بمفهومه الشامل؛ إذاً فالدولة لديه وسيلة وليست غاية، لكنها وسيلة واجبة من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعن مهمة هذه الدولة التي يسعى الإخوان لإقامتها يتحدث البنا في رسائله قائلاً: "هي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي صلى الله عليه وسلم وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد، بل سنلاحقها في أرضها وسنغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينشر ظل الإسلام الوارف على الأرض، وحينئذٍ يتحقق للمسلم ما ينشده".

ينطلق البنا في رؤيته لمفهوم الدولة من مفهوم شمولية الإسلام
ويرى البنا أن هناك شرطين للدولة كي يقال عنها إسلامية؛ الأول: أن يكون أعضاؤها مسلمين ملتزمين بأحكام الإسلام، والثاني: أن تطبق فيها الشريعة، ويوضح ذلك الدكتور إبراهيم البيومي غانم في كتابه (الفكر السياسي للإمام حسن البنا) حيث يقول "ويفسر البنا أن الإسلام دين ودولة فيقول: معنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية وُكّلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة.. وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية، وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى أمة إسلامية مهما ادعت ذلك بلسانها".

يرى البنا أنّ هناك شرطين للدولة كي يقال عنها إسلامية؛ الأول: أن يكون أعضاؤها مسلمين ملتزمين بأحكام الإسلام، والثاني: أن تطبق فيها الشريعة
 


كما يوضح البنا أن للدولة سمات ينبغي توافرها؛ أولها أنها دولة عالمية لا تقتصر حدودها على نطاق جغرافي معين، ولكنها ومن منطلق عالمية رسالة الإسلام يجب أن تسعى للتوسع لتشمل حدودها كل العالم، ويوضح ذلك أيضاً عصام العريان وهو أحد القادة البارزين في الجماعة في بحث منشور له بعنوان (الإخوان المسلمون ومفهوم الدولة) فيقول "لذلك يعمل الإخوان المسلمون على إعادة الكيان للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها حتى يؤدي ذلك إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة". 
والسمة الثانية أنها دولة تقوم على أساس العقيدة؛ فهو يعتبر أن حدود الوطن الإسلامي هي العالم كله، وهي وإن كانت غير ذلك الآن، فإنه يجب أن يكون ذلك الهدف نصب عيني المسلمين، وبالتالي يرى أن الرابطة التي يجب أن تربط أبناء الوطن الإسلامي هي رابطة الأخوة والعقيدة الإسلامية وحدها دون أي رابط آخر، وهو بذلك لا يعترف بالروابط الوطنية أو القومية التي تقوم على وحدة الحدود الجغرافية أو وحدة اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة كما ينادي أصحاب التيارات القومية، ويوضح البنا ذلك بقوله "حين أقول الوطن لا أقصد مصر وحدها، بل أعني مصر وبلاد العرب الشقيقة ودول الإسلام ومَوَاطنه الحبيبة، فإن وطننا نحن الإخوان المسلمين كل شبر أرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله"، وتبعاً لرؤيته هذه بضرورة قيام الدولة على أساس ديني؛ فهو لا يعترف بالمواطنة التي تقوم على التساوي في الحقوق والواجبات لكل من تجمعهم حدود دولة واحدة، ولكن ينظر لغير المسلمين الذين يعيشون على أرض إسلامية "كأقليات دينية"، وقد اعترف لهم ببعض الحقوق على تلك الأرض ولم يعترف بأخرى، فهو يرى بعدم أحقيتهم في تولي مناصب الولاية العامة كرئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وكذلك يرى عدم جواز انخراطهم في جيش الدولة مقابل دفع الجزية عوضاً عن ذلك، ويوضح إبراهيم البيومي غانم أن البنا يرى "أن الجزية مقابل المنعة إن اشترطوها، وأن من سلطة الدولة الإسلامية إسقاطها عنهم إذا اقتضى الأمر تجنيدهم"، فالبنا يفترض قيام دولة أصحابها مسلمون تسعى لكي تحكم العالم كله وهي تضمن لـ "الأقليات الدينية" حقوقها في ظل حكم الشريعة.


 والسمة الثالثة هي أنها دولة دعوة؛ بمعنى أن الدولة الإسلامية دولة صاحبة رسالة يقع عليها مسؤولية نشر دعوة الإسلام، ويوضح عصام العريان هذا المعنى في مقاله فيقول "وهي دولة فكرة تقوم على نشرها، أو بالأحرى هي دولة دعوة أو دولة رسالة، وهذا هو التعبير الحقيقي لارتباطها بالعقيدة الإسلامية أو الترجمة العملية للوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية وهي الدولة التي غالبية سكانها من المسلمين وتقر باستمداد تشريعاتها من الشريعة الإسلامية"، وهذا الدور الدعوي للدولة تقوم به داخلياً عن طريق نشر تعاليم الإسلام في المجتمع ومراقبة تطبيقها وفرض حدود وضوابط على سلوك المواطنين، بحيث تكون هي المسئولة عن حراسة الدين في المجتمع، وخارجياً بالقيام بدورها بنشر الإسلام وتبليغ دعوته للعالمين عن طريق الجهاد.
 والسمة الرابعة أيضاً أنها دولة تقوم على وحدة السلطة؛ حيث لا يوجد فيها ازدواج ما بين سلطة سياسية وأخرى دينية كما كان في الغرب قبل فصل الدين عن الدولة، كما يرى البنا أنه لا سلطان لعلماء الدين على الحكام فيقول "ولم يعرف الإسلام في تاريخه ما ظهر في أوروبا من تنازع السلطة الروحية الزمنية ومن خلاف بين الدولة والكنيسة".

رؤية البنا لا تعبر عن قناعة لديه بمدنيّة الدولة بقدر ما هو اطمئنان إلى أنه بوصول الإخوان للحكم سوف تتحد الصفتين السياسية والدينية بشكل تلقائي
 

وعن المعارضة ودورها داخل الدولة الإسلامية، فإنّ البنا ينظر لها نظرة مختلفة؛ حيث يرى بداية أن التعددية الحزبية مخالفة لتعاليم الإسلام، إذ أن الإسلام قد حث على الوحدة، وهذه الأحزاب مظهر من مظاهر فرقة الأمة، ويقول في رسائله إنّ "الإسلام وهو دين الوحدة في كل شيء.. لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه"، ويرى أنّ دور المعارضة يتمثل في تقديم النصح للحاكم وإبداء الرأي والمشورة فقط طالما لم ينحرف عن أحكام الشريعة ولم يخالفها مخالفة بيّنة، وأنه ليس من حقها المنافسة على السلطة، ويوضح البيومي غانم ذلك فيقول "فرفض بناءً على ذلك مفهوم المعارضة السياسية المنظمة والدائمة.. لأن معنى وجودها – طبقاً لمنطق تفكيره – أن تصبح السلطة هدفاً لذاتها ومن ثم لا يمكن أن يتحقق الاستقرار المطلوب"، وكان يرى البنا كذلك أن واجب المعارضة يشبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه، كما يوضح غانم في كتابه، إذا كان "في ظل نظام إسلامي وحكومة إسلامية، فهي حق وواجب لكل فرد قادر على القيام به، دون أن تصل إلى تنظيم هذا الحق في صورة جماعية ثابتة هدفها الوصول إلى السلطة".
ملاحظات حول مفهوم الدولة لدى البنا
تثير رؤية البنا وتصوره عن الدولة العديد من الملاحظات والإشكاليات، كما أنها تخلق العديد من الأزمات في الواقع؛ فمن جانب فإن رؤيته لأن إقامة الدولة ضرورة لتطبيق الشريعة هي رؤية مستمدة من اجتهادات الفقه السياسي القديم الذي تكون في ظل وضع مختلف عن الوضع الحالي؛ فالبنا يتحدث عن سلطة سياسية حاكمة لم يحدد كيفية اختيارها سوف تدير الدولة وتضع من القوانين ما تضبط به حركة المجتمع، وهي التي تقوم بمراقبة تطبيق ذلك القانون، وهو يرى بذلك أنّ الحاكم -  السلطة التنفيذية - هو القائم بكل شيء في الدولة، رغم أن مفهوم الدولة الحديثة يختلف كليًا عن مفهوم الدولة في الماضي والتي تكّونت هذه النظرة للحاكم خلالها، حيث لم تكن هناك مؤسسات بالشكل الذي عليه الدولة الآن، فالسلطة في ظل الدولة الحديثة تتوزع على عدة مؤسسات، تنفيذية وبرلمانية وقضائية تقوم كل منها بدور مستقل وبفصل مرن بينهم يسمح بقيام كل مؤسسة بممارسة دور رقابي على الأخرى، هذا بجانب وجود مؤسسات للمجتمع المدني تقوم بدور إصلاحي وتوعوي، فوفقاً للمفهوم الواسع للشريعة فإن مجال تطبيق الشريعة لا يتعلق بدور السلطة التنفيذية فقط، ولكن للشريعة جوانب عديدة يقوم بها مؤسسات أخرى بجانب المجتمع ذاته، وبالتالي فإن السلطة التنفيذية يقتصر دورها على إدارة حياة الناس اليومية، فهي لا تشرع أحكاماً ولا تضع قوانين إلا في أحوال استثنائية، ولذلك لم يعد لها ذلك الدور الرئيسي كما كان قديماً، ومن الممكن لمن أراد القيام بدرو الإصلاح أن يجد مجالات كثيرة ليس من أهمها بالضرورة تولي الحكم، وبالتالي لم تعد الدولة أو السلطة هنا وسيلة واجبة كما يرى البنا، ومن جانب آخر ما هي الشريعة التي سوف يطبقها الحاكم وفقاً لرؤية البنا؟ إن في هذا تجاهل إلى أن كثيراً من النصوص الدينية هي نصوص ظنية تحتمل تفسيرات ووجوهًا عدة، فهل ستصبح رؤية الحاكم وخياره الفقهي هو الشريعة الواجب تطبيقها والتي سوف يفرضها دون إعطاء حق الاختيار للمجتمع عن طريق ممثليه؟


النقطة الأخرى وهي أن البنا جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وظائف الدولة حين تحدث عن أنها دولة دعوة، رغم أنه توجيه القرآني موجه للأمة، فهو دور يقوم به المجتمع، كما أن هذا الدور المنوط بالدولة من وجهة نظره قد يحولها إلى سلطة إكراه تجبر الناس، وتفرض عليهم ما يراه الحاكم أنه الشريعة ليخلق مجتمعًا يتسم بالازدواجية يلتزم بالإسلام خوفًا من العقاب، في حين قد يكون بعيدًا في نفسه عن تعاليمه.
الأمر الآخر أن رؤية البنا لضرورة وحدة السلطة وعدم ازدواجيتها بين سلطة سياسية وأخرى دينية، ربما لا تعبر عن قناعة لديه بمدنية الدولة بقدر ما هو اطمئنان إلى أنه بوصول الإخوان للحكم سوف تتحد الصفتين السياسية والدينية بشكل تلقائي. 

دولة البنا تقوم على أساس العقيدة؛ فهو يعتبر أن حدود الوطن الإسلامي هي العالم كله، وهي وإن كانت غير ذلك الآن، فإنه يجب أن يكون ذلك الهدف نصب عيني المسلمين


 كما يرى البنا بوجوب أبدية الحاكم في السلطة، فطالما لم يأت بما لم يخالف الشريعة فلا يجوز منافسته على الحكم، ولا ينبغي للمعارضة أن تفكر أو تسعى في ذلك، إذن فهو لا يرى سببًا غير ذلك لتداول السلطة وتغيير الحاكم، ويقودونا هذا إلى سؤال هل كان الإخوان يسعون للحكم على سبيل المداولة أم أنهم كانوا يسعون إليه ليبقوا فيه أبدا في ظل رؤيتهم بأنهم الأقدر والأصلح لتلك المهمة! وهذا مما يؤكد وجود بذور الاستبداد داخل العقل الإخواني.
يتضح من ذلك أن تصور الإخوان لنموذج الدولة التي يسعون لإقامتها إنما يخلق العديد من الإشكاليات في الواقع لأنه تصور قائم على فهم خاطئ لطبيعة الدولة الحديثة والتي تختلف بشكل جذري عن الدولة في عصور ما قبل الحداثة، وبالتالي ينتج عن ذلك أزمات وصراعات تدخل فيها الجماعة عبر تاريخها سواء مع الأنظمة الحاكمة أو التيارات السياسية والفكرية الأخرى التي ترفض مشروع الجماعة وترى فيه مصدراً للخطر والضرر بالمجتمع. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية