مشاعل البنا تحرق "الإخوان"

مشاعل البنا تحرق "الإخوان"

مشاعل البنا تحرق "الإخوان"


20/05/2024

مرّ تاريخ الإخوان المسلمين بمحطات كثيرة، صعوداً وهبوطاً، وفي كلّ الأحوال؛ يحرص الإخوان على بقاء رمزية حسن البنا المقدسة بعيداً عن المراجعات، لإدراكهم أنّ البنا ليس مجرد مؤسس للجماعة وصانعها؛ بل هو الركيزة الأساسية لإعادة تدوير الجماعة مرة أخرى.
يؤمن الإخوان بقدرة البنا على استشراف المستقبل، وبأنّه وضع لهم علامات ومشاعل يسترشدون بها في مسيرتهم، ويؤمنون أيضاً بأنّ هذه العلامات، إذا اتبعوها ضمنوا السلامة، مع العلم أنّهم، في كلّ مرة يتبعون علامات البنا، يعودون من حيث بدأوا.

اقرأ أيضاً: حسن البنا والأدلجة السياسية للإسلام في القرن العشرين
هذه العلامات دوّنها البنا في رسالته المعنونة "بين الأمس واليوم"، التي صدرت مطلع العام 1943، وتضمّنت هذه الرسالة مقطعاً يجسّد رؤية البنا، ومن ثم رؤية الإخوان، للآخر، يقول فيه البنا:

في كلّ الأحوال يحرص الإخوان على بقاء رمزية حسن البنا المقدسة بعيداً عن المراجعات

"أحبّ أن أصارحكم بأنّ دعوتكم ما تزال مجهولة عند كثيرين من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات. أما الآن؛ فما تزالون مجهولين، تمهّدون للدعوة، وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد. سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كلّ حكومة أن تحدّ من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
ويتابع البنا: "وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كلّ نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدّين بأموالهم ونفوذهم (...) وستدخلون بذلك، بلا شكّ، في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشرَّدون، وتُصادر مصالحكم، وتُعطَّل أعمالكم، وتُفتَّش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان (...) ولكنّ الله وعدكم من بعد ذلك كلّه نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين".
في هذا النصّ وضع البنا علامات وإشارات، ربما يجيب تفكيكها على سؤال: لماذا يتعالى الإخوان على الشعب؟ ولماذا يتهمون الجميع بعدم الفهم؟
العلامة الأولى: ماذا يحدث إذا علم الناس حقيقة دعوة الإخوان؟
يقول البنا فيها: "أحبّ أن أصارحكم بأنّ دعوتكم ما تزال مجهولة عند كثيرين من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستتلقون منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات".

اقرأ أيضاً: كيف كان الخميني وريثاً لعبد الناصر وحسن البنا؟
يمكن ملاحظة المغالطة التي يتبعها البنا مع أتباعه، فهو يقول لهم إنّ جماعتهم ما تزال مجهولة، والمفترض أنّ هذا الجهل يسبّب العداء، فالإنسان غالباً عدوّ ما يجهل، لكنّه يعكس الوضع ويقول لهم: "ويوم يعرفونها ويدركون مراميها"، ماذا سيحدث؟، خصومة شديدة وعداوة قاسية؟! ولم يخبرهم البنا بسبب هذه الخصومة ولا تلك العداوة، وهل من الطبيعي أن يعادي الناس الدعوات الصالحة، أم الدعوات الخبيثة؟
العلامة الثانية: جهل الشعب بالإسلام:
ثم يستكمل البنا علاماته: "وسيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم"، يصف البنا الشعب هنا بالجهل، لكنّه يستدرك بجملة "بحقيقة الإسلام"، لتكون منفذاً إذا ما طلب منهم تفسير حقيقة الإسلام، في الواقع هذه الجملة هي بداية التكوين العقلي للفرد الإخواني؛ إذ إنّها ترسّخ في وجدانه أنّ الناس، كلّ الناس، لا يفهمون حقيقة الإسلام كما يفهمها الإخواني، وهذا ليس عيب الإخوان، لكنّه عيب الناس، وربما هذا يعطينا تفسيراً لاستعلاء الفرد الإخواني على الآخرين.
العلامة الثالثة: عداء المتدينين:
"وأهل التدين هم الأفراد الذين لا ينتمون لا لجمعيات أو لجماعات، بسطاء حريصون على رضى الله والتمسك بما هو معلوم من الدين، سواء في العبادات أو المعاملات"، لك أن تتخيل أنّ البنا عدّهم أول عقبة في طريق الإخوان المسلمين، وأنهم أول من سيعادي الإخوان؟! هل من الطبيعي أن يعادي أهل التدين الإسلامي دعوة إسلامية؟ وأيضاً: لم يقدم لنا سبباً لعداء أهل التدين للإخوان، يبدو أنّ البنا كان يخشى من أهل التدين، فعمل على وضعهم على قائمة من يعادي الدعوة الإخوانية، كحركة استباقية يصوغ بعدها العقل الإخواني، بعيداً عن أهل التدين الطبيعيين.
العلامة الرابعة: عداء العلماء ورجال الدين
بعد أهل التدين يأتي العلماء الرسميون؛ العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين يحملون مشعل الفهم والحكمة، وضّح البنا أنّهم سيستغربون فهم الإخوان للإسلام، هنا يوهم حسن البنا أفراده بأنّ هذا الاستغراب من الجهل رغم أنّهم علماء! وكالعادة؛ لم يوضح لنا حسن البنا سبب هذا الاستغراب، أو سبب هذه العداوة، إلّا عدم الفهم وجهل العلماء! هذا ما قرّره حسن البنا، وهذا ما ترسّخ في وجدان الإخوان المسلمين، وربما هذا ما يفسر العداء الشديد للعلماء الرسميين من قبل الإخوان.
العلامة الخامسة: حقد الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان
هنا ينقل البنا أتباعه إلى المواجهة مع الحكومات، وبزعم أنهم يحقدون عليهم، وأيضاً لم يذكر سبب الحقد، مع العلم بأنّ الإخوان، في وقت كتابة هذه الرسالة، كانوا في خدمة حزب السعديين، وكانوا ينالون رعاية خاصة، حتى أنّ أحمد باشا ماهر، سمح لهم بتكوين جيش من الجوالة بزيّ عسكري، رغم معارضة هذا في قانون الكشافة، بأن يتّبعوا أيّة هيئة، لكن ربما ظلال حادث 4 شباط (فبراير) 1942، وما تبعها سياسياً، دفع البنا إلى أن يتوقع الصدام مع الحكومات، فأراد تجهيز وجدان الإخوان لذاك الصدام، بجعله ليس صراعاً سياسياً، ولكن منبته الحقد والكراهية، ولعلّ استكمال تفاصيل عداء الحكومات يكشف مكنون البنا؛ إذ يستكمل بقوله:
"وستقف في وجوهكم كلّ الحكومات، على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحدّ من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيتذرع الغاضبون بكلّ الطرق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة (يقصد الوفد) والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان".

اقرأ أيضاً: لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟
لم يتوقف أحد أمام كلّ هذه الأصناف التي ستعادي الإخوان فور معرفتهم بحقيقة أهداف الدعوة، لم ينتبهوا إلى أنّه لم يذكر أيّة فئة ستقف مع الإخوان! يبدو لي أنّه أراد أن يغرس في وجدانهم عدم الثقة بأحد غيرهم.
ثم يخدعهم "حسن البنا" مرة أخرى، ويحوّل موجات النقد التي يقدمها لهم العلماء وأصحاب التدين والحكومات، ليصحّحوا الطريق، إلى عبارات سلبية تجعل الانتقادات والنصائح والمراجعات ليست إلا مجرّد غبار الشبهات وظلم الاتهامات.
العلامة السادسة: غبار الشبهات
يقول حسن البنا: "وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كلّ نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:32)".

بدل دعوة الإخوان للتأكّد من الشبهات والتنزه عنها كان البنا يصف كلّ نقد لجماعته بالاتهام الظالم

نلاحظ هنا؛ أنّ البنا رسّخ في أذهان أتباعه أنّ كلّ ملاحظة، أو اعتراض، أو نقد، هو بمثابة غبار شبهات، وسينقشع بعد أن تظهر الحقيقة، بدلاً من دعوتهم إلى التأكّد من هذه الشبهات والتنزه عنها، نجده يصف كلّ نقد بأنّه اتهام ظالم، ومحاولة رخيصة لإلصاق كل نقيصة في الإخوان، وكانت النتيجة أن ترسّخ في وجدان الإخوان المسلمين، الجماعة والأفراد، أنّ كلّ منتقد لهم فكرياً، أو في حدود الوسائل، إنّما هو ظالم، وهذه الاتهامات هي غبار شبهات ليس لها من ظلّ من الحقيقة.
العلامة السابعة: الابتلاء
بعد أن وضع البنا حاجزاً نفسياً بينهم وبين كلّ أصناف الشعب، وبينهم وبين الحكومات والزعماء، وبعد أن حول التساؤلات المنطقية إلى غبار شبهات وحقد، ها هو يبدّل مفهوم العقوبات وملامح الفشل إلى ابتلاء وقمّة نجاح: "وستدخلون بذلك، بلا شكّ، في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشرَّدون، وتُصادر مصالحكم، وتُعطَّل أعمالكم، وتُفتَّش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان..".

اقرأ أيضاً: هل سرق حسن البنا النار من صديقه السكري؟
هذا النصّ الفريد في تحويل مظاهر الفشل إلى مظاهر نجاح، ومن أفراد المجتمع، حقل الدعوة والظهير الشعبي، إلى أصناف من الأعداء، ومن علامات عدم صحة الطريق، والتي كانت كافية لأن تثير فيهم المراجعة والتقييم والتقويم، إلى علامات على صحّة الطريق وصوابية المنهج والتمسك بالطريق المزيف، ثم يختم النص بسؤال: "فهل أنتم مصرّون على أن تكونوا أنصار الله؟".
صنع حسن البنا هنا نموذجاً فريداً في وجدان وعقول أتباعه، جعلهم يؤمنون بأنّهم وحدهم على الصواب، وباقي أفراد المجتمع على خطأ؛ بل هم في حالة عداء حتمي مع الإخوان، وبأنّ السجن والتشريد هو دليل صحة الطريق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية