هل حرّضت جماعة الإخوان على اغتيال فرج فودة؟

هل حرّضت جماعة الإخوان على اغتيال فرج فودة؟

هل حرّضت جماعة الإخوان على اغتيال فرج فودة؟


20/05/2024

ينتسب الكاتب والمفكر المصري الراحل فرج فودة إلى طائفة من المثقفين العرب الذين جاهروا بآرائهم المناوئة لعاصفة التفكير الديني بمعناه الشعبوي والسلفي، فلقي حتفه، كما يؤكد باحثون، بتحريض من جماعة الإخوان وقياداتها، حتى إنّ أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه، لأنه امتلك ناصية الشجاعة في الإعراب عن آرائه، غير عابىء بقوة التكفير المضادة التي أحلّت دمه بزعم أنه "مارق" و"كافر" و"ملحد"، رغم أنه ظل يفكر في دائرة الدين، ودعا إلى جعل الشريعة أداة بناء للإنسان والمستقبل، لا معول هدم للعقل والروح.

كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين. وبسبب آرائه هاجمته جبهة علماء الأزهر، وأصدرت في 1992 بياناً نشرته "جريدة النور" قضى "بكفر" فرج فودة ووجوب قتله.

وفي 8 حزيران (يونيو) 1992 وبينما كان فودة يهمّ بالخروج من مكتبه بشارع "أسما فهمي" بمدينة نصر بالقاهرة بصحبة ابنه الأصغر وأحد أصدقائه الساعة السادسة و 45 دقيقة، جرى اغتياله على يد أفراد من الجماعة الإسلامية، حيث قام شخصان بينهما مطلق الرصاص من بندقية آلية بقتله فيما كانا يركبان دراجة نارية، فيما أصيب ابنه أحمد وصديقه إصابات طفيفة. أصيب فرج فودة إصابات بالغة في الكبد والأمعاء، وظل بعدها الأطباء يحاولون طوال ست ساعات إنقاذه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ونجح سائق فرج فودة وأمين شرطة متواجد بالمكان في القبض على الجناة.

وتبيّن أنّ الجريمة جاءت بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد وعلى رأسهم الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي شهادة الشيخ محمد الغزالي في أثناء محاكمة القاتل، وصف الغزالي فودة بـ"المرتد" "وأنه "يجب قتله" وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتئاتاً على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة، حسب تعبيره.

ماذا قال قاتل فودة؟

أثناء المحاكمة سئل قاتل فرج فودة: وفي

لماذا اغتلت فرج فودة؟

القاتل: لأنه كافر

ومن أيّ من كتبه عرفت أنه كافر؟

القاتل: أنا لم أقرأ كتبه

كيف؟

القاتل :أنا لا أقرأ ولا أكتب..!

كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة

لقد شخّص فودة هذا الحال في كتبه وكتاباته، حتى إنه استشرف هذا المصير في كتابه "الحقيقة الغائبة"، إذ يؤكد أنّه "من المناسب أن أناقش معك أيّها القارئ مقولة ذكرتها لك ضمن وجهة نظر الدّاعين للتطبيق الفوري للشريعة، وهي قولهم بأنّ التطبيق (الفوري) للشريعة، سوف يتبعه صلاح (فوري) لمشاكله، وسوف أثبت لك أنّ صلاح المجتمع أو حلّ مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم الصالح، وليس أيضاً رهناً بتمسّك المسلمين جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها، وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة الإسلاميّة نصّاً وروحاً، وحجّتي في ذلك وقائع التّاريخ، وليس كالمنطق دليل، وليس كالتّاريخ حجّة، وحجّة التّاريخ لديّ مستقاة من أزهى عصور الإسلام عقيدةً وإيماناً، وأقصد به عصر الخلفاء الرّاشدين".

الباحث عمرو فاروق: كانت أفكار فودة تتحرك في إطار وقف المد الأصولي، وتفكيك الخطاب الأيديولوجي للجماعات الدينية، والحد من تأثيراته في الشارع المصري

ويتابع فودة: "أنت أمام ثلاثين عاماً هجريّاً (بالتّحديد تسعة وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كلّ عمر الخلافة الرّاشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام) ثمّ خلافة عمر (عشر سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثمّ خلافة عثمان (إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوما) ثمّ خلافة علي (أربع سنين وسبعة أشهر) ".

وتستطيع أن تذكر، والكلام ما زال لفودة "بقدر كبير من اليقين أنّ خلافة أبي بكر قد انصرفت خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدّين في الجزيرة العربيّة، وأنّ خلافة علي قد انصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة وطلحة والزّبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنّه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدّولة وإرساء قواعدها".

ويصل فودة إلى فكرته الأساسية، ومفادها أنّ "العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم، ولا يسود لا بصلاح الرعيّة، ولا يتأتّى بتطبيق الشّريعة، وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)، وأقصد به الضّوابط التي تحاسب الحاكم إن أخطأ، وتمنعه إن تجاوز، وتعزله إن خرج على صالح الجماعة أو أساء لمصالحها، وقد تكون هذه الضوابط داخليّة، تنبع من ضمير الحاكم ووجدانه، كما حدث في عهد عمر".

ملامح مشروع فودة

في هذا السياق السجالي كانت تتحرك أفكار فرج فودة الذي صاغ، كما يرى الباحث عمرو فاروق، ملامح مشروعه الفكري "لوقف المد الأصولي، وتفكيك الخطاب الأيديولوجي للجماعات الدينية، والحد من تأثيراته في الشارع المصري، مرتكزاً على أربعة أعمدة أساسية هي: نقد الإسلام السياسي المعاصر، ونقد الإسلام السياسي التاريخي، وحتمية الاجتهاد وإعمال العقل، والدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة".

ويردف فاروق في مقال في صحيفة "النهار": كانت المناظرة الشهيرة التي عُقدت في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة في كانون الثاني (يناير) 1992، تحت عنوان "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية"، السبب الرئيسي في اغتيال فرج فودة، وهي المناظرة التي استمرت 3 ساعات متواصلة، وحضرها أكثر من 30 ألف شخص من أتباع تيارات الإسلام السياسي، إذ انقسم المُحاضرون في المناظرة إلى فريقين: الأول، يمثل "الدولة الدينية"، ويضم الشيخ محمد الغزالي، ومأمون الهضيبي، وهو كان نائب مرشد "الإخوان" والمتحدث باسم الجماعة حينها، والمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، والآخر، يمثل "الدولة المدنية"، ويضم الدكتور محمد خلف الله (حزب التجمع)، والدكتور فرج فودة".

رحبت جماعة "الإخوان" باغتيال فرج فودة من خلال متحدثها الرسمي مأمون الهضيبي، عبر صفحات جريدة "الأخبار"، وإذاعة "صوت الكويت"

وخلال ذلك، يقول فاروق "تعالت هتافت الحضور بالنشيد الرسمي لـ"الإخوان": "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

وبعد اغتيال فرج فودة، أعلنت "الجماعة الإسلامية" مسؤوليتها عن اغتيال فودة تطبيقاً لفتوى علماء الأزهر، ورحبت كذلك جماعة "الإخوان" من خلال متحدثها الرسمي مأمون الهضيبي، عبر صفحات جريدة "الأخبار"، وإذاعة "صوت الكويت".

مواضيع ذات صلة:

"فرج فودة".. عِشْ ألفَ عام!

لماذا قتل "الإخوان" فرج فودة؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية